بالرغم من الضغوط التي يتعرض لها الرئيس الأميركي دونالد ترامب منذ اليوم الأول له في البيت الأبيض، خصوصا بعد اكتشاف وجود تدخلات خارجية لصالحه في سباق الانتخابات الرئاسية، إلا أن العديد من الخبراء يرجح تجاوز ترامب لتلك التحديات ونجاحه في اقتناص الولاية الثانية له في السباق المقبل، مستندين إلى مجموعة من الأسباب التي ترجح ما وصلوا إليه، ولكن هناك وجهة نظر لا تقل وجاهة عن الأولى ترجح خسارة ترامب في نهاية المطاف الرهان، خصوصا وأن استمرار الرجل يضر بمستقبل الولايات المتحدة، ويفقدها دورها الريادي في العالم، وفيما بين وجهتي النظر تلك تبقى الأمور معلقة إلى حين بدء السباق ومعرفة التوجهات الحقيقية للرأي العام الأميركي.
ويستند الفريق الأول في تبريره لاحتمالات نجاح ترامب في سباق الرئاسة الأميركية إلى أن الشعب الأميركي لا تعنيه كثيرا الأمور السياسية خصوصا تلك المتعلقة بالمسائل الخارجية كالموقف من الأزمات المتصاعدة في الشرق الأوسط في سوريا وليبيا واليمن، ولا يلقي بالا للدور الأميركي في المنطقة والعالم، وأن كل ما يشغل الرأي العام الأميركي هو انعكاسات السياسة الأميركية على الأوضاع الاقتصادية والمعيشية للمواطن الأميركي، وطالما أن تلك المواقف لم تنعكس بالسلب عليه، فهو في الغالب يدعم الرئيس ويقف إلى جواره في معاركه السياسية، ولأن الأوضاع الاقتصادية للمواطن الأميركي تحسنت بشكل مقبول خلال الفترة الماضية من ولاية ترامب فإن الغالب أن يعيد الشعب الأميركي حسب هؤلاء الخبراء إعادة انتخاب ترامب.
ويضيف المؤيدون لفكرة بقاء ترامب لفترة ولاية ثانية أن تأييده غير المسبوق للصهيونية العالمية، وتقديمه للكيان الصهيوني ما لم يسبقه إليه أحد، خصوصا بعد نقله سفارة بلاده إلى القدس، ووقفه تمويل منظمة الأونروا، وتبريره سياسة بناء المستوطنات في الضفة الغربية، ورفضه فكره إقامة الدولة الفلسطينية، ورغبته في تنفيذ ما يعرف بصفقة القرن، كل هذا وغيره كفيل بدعمه من قبل اللوبي الصهيوني واللوبيات اليهودية العديدة في الداخل الأميركي، وترجيح كفته على أي منافس له في سباق الرئاسة الأميركية، وإن كان هذا مردودا عليه بأن دعم اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة لا يمثل ضمانة حقيقية لفوز أي مرشح على حساب آخر، فكثيرا ما خسر المرشح المدعوم من اللوبي الصهيوني سباق الرئاسة في الولايات المتحدة، كما أن اللوبي الصهيوني يحرص دائما على دعم كافة المرشحين حتى يضمن تأييدهم ودعمهم للكيان الصهيوني المحتل للأراضي الفلسطينية.
ولا ننسى في هذا الصدد نجاح ترامب في التخلص من زعيم تنظيم داعش في الشرق الأوسط، تماما مثلما سبق وفعل الرئيس باراك أوباما عندما تخلص من زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، حيث يعتبر هذا الإنجاز الوحيد الذي نجح فيه ترامب، خصوصا بعد فشله في حل الصراع العربي الإسرائيلي، وعدم قدرته على تنفيذ صفقة القرن، وتخليه عن حل الأزمة السورية لصالح روسيا التي نجحت في إيجاد مواطئ قدم لها في الشرق الأوسط على حساب الولايات المتحدة الأميركية.
وفي مقابل ذلك هناك رؤى مغايرة ترى أن فرص ترامب للفوز بولاية ثانية ضئيلة وذلك للعديد من الأسباب أهمها أن معركة ترامب الداخلية ليست موجهة للحزب الديمقراطي الذي يأخذ على عاتقه عزل الرئيس ترامب من رئاسة أميركا، بقدر ما هي ضد القيم التي قامت عليها الولايات المتحدة، إذ تؤدي سياسات ترامب للإضرار بالدستور ومن ثم بالديمقراطية الأميركية، فترامب ضرب بقيم الشعب الأميركي عرض الحائط، ويستغل سلطاته بشكل خاطئ للنجاح في الانتخابات الرئاسية والإضرار بمرشحيه، وهو ما من شأنه أن يضر بمستقبل الولايات المتحدة على المدى البعيد.
ويعني ذلك أن المعركة الحالية لن تكون فقط بين ترامب والمؤسسات الأميركية وعلى رأسها الكونجرس والتي باتت ترى فيه خطرا على مستقبل الولايات المتحدة، وإنما كذلك مع الشعب الأميركي الذي ينتهك دستوره من قبل أعلى سلطة في البلاد، ما جعل الرأي العام وعلى عكس ما يشير الفريق الأول يؤيد بنسبة معقولة مواصلة الكونجرس إجراءات عزل ترامب لمعرفة حقيقة ما حدث، وتراجع نسب تأييد الرئيس ترامب عما كان في السابق بالرغم من ارتفاع المستويات المعيشية للمواطن الأميركي.
ويضاف لما سبق تراجع الدور الأميركي على المستوى الخارجي لصالح أدوار أخرى يأتي على رأسها الدوران الروسي والصيني، وزيادة حدة التوتر ما بين الولايات المتحدة وبين حلفائها في حلف شمال الأطلنطي والاتحاد الأوروبي، بشكل يضر بصورة ومكانة الولايات المتحدة، وهو ما من شأنه أن يؤثر على مستقبل الدور الأميركي في الخارج، ويدفع بشركائها للبحث عن قوى عالمية أخرى للحفاظ على مصالحهم.
وفي ظل هذا التنوع في الآراء يبدو أن رؤية الفريق الثاني قد تكون أقرب للتحقيق، حيث يمثل نجاح ترامب نكسة كبيرة للتجربة الديمقراطية، وضربة في قلب القيم الأميركية التي تحمي الشعب وتحافظ على قوة وبقاء الدولة، ومن مصلحة الجميع أن تبقى المؤسسات الأميركية قوية وقادرة على صون التجربة الديمقراطية، لأن إضعاف تلك المؤسسات مثلما يفعل ترامب والقضاء على دورها سينعكس بالسلب عاجلا أو آجلا على الشعب الأميركي وحلفائه في العالم.
د.أسامة نورالدين – الوطن العمانية











