فيما تبدو الولايات المتحدة غير عابئة بما يجري في شرق المتوسط باستثناء وجودها في سوريا أو بعض العمليات التي تشنها بين الحين والآخر في ليبيا, تبرز عدة مؤشرات توضح النظرة الأميركية لما يجري في هذه المنطقة خصوصا مع الممارسات التركية الأخيرة تحديدا في ليبيا.
فأولى هذه الإشارات تتمثل في التعليق الأميركي على مذكرة التفاهم التي وقعتها تركيا مع رئيس حكومة الوفاق الليبية فايز السراج والتي تتيح لتركيا ـ وفق ما تسرب عن المذكرة ـ إرسال قوات إلى ليبيا أو توافق على ما يصفه الطرفان بـ(ترسيم حدود بحرية بين ليبيا وتركيا).
ففي التعليق الأميركي على هذه التفاهمات أفاد مسؤول في واشنطن بأن مذكرة التفاهم الموقعة بين تركيا وحكومة الوفاق الليبي “غير مفيدة” و”استفزازية”، وتشكل مصدر قلق للولايات المتحدة.
وقال تعليقا على المذكرة: “الآن بالنسبة للحدود البحرية التي رسمت بين اليونان وقبرص… من منظور الولايات المتحدة، هذا أمر يدعو للقلق… هذا الوقت لا يحتمل إثارة المزيد من عدم الاستقرار في البحر المتوسط”.
كما نقلت وكالة “رويترز” عن الخارجية الأميركية أن “الولايات المتحدة تستمر في الاعتراف بحكومة الوفاق الوطني الليبية المدعومة دوليا، لكنها لن تقف مع أي طرف في الصراع”. في موقف يوضح عدم الميل إلى الطرف الذي تميل له تركيا حتى وإن كان هذا الطرف هو المعترف به دوليا.
كذلك فإن تقريرا لسايمون هندرسون زميل “بيكر” ومدير “برنامج برنستاين لشؤون الخليج وسياسة الطاقة” في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى ينتقد ما وصفه بـ”الأسلوب الدبلوماسي التصادمي” الذي تعتمده تركيا والذي قد يؤدي مواجهات حتمية وأن أنقرة ـ وفقا لما يرى هندرسون ـ وجدت نفسها في وضع صعب وسط الأزمة المتفاقمة بوتيرة سريعة بسبب بدء فصل جديد في الحرب الليبية.
أما سونر جاغابتاي زميل “باير فاميلي” في معهد واشنطن ومؤلف الكتاب “امبراطورية أردوغان: تركيا وسياسة الشرق الأوسط.. فيقول إن تركيا تنظر إلى ليبيا كنقطة جوهرية في سياستها الخارجية التركية، حيث تعتبرها ـ كما يرى في تقريره ـ مسرحا تستخدمه تركيا لمنافسة خصومها القدامى (اليونان) والجدد (ومن بينهم مصر) فيما أصبحت “حكومة الوفاق” الليبية تعتمد بشكل متزايد على أنقرة لأسباب عسكرية، حيث إن أنقرة هي تقريبا حليفها الوحيد.
وفي هذا الصدد يقول التقرير “تنبع سياسة أنقرة تجاه ليبيا من عزلتها في شرق البحر المتوسط، والتي تفاقمت تدريجيا منذ انهيار العلاقات التركية ـ الإسرائيلية في عام 2010، وسوء تقدير سياسة أردوغان الإقليمية خلال انتفاضات “الربيع العربي”. وعلى الجبهة الأخيرة، فإن دعمه لجماعة «الإخوان» في مصر في الفترة 2011-2012 قد كلّفه الكثير بعد أن أُطيحت تلك الحكومة”.
ويضيف “كما أن تركيا وجدت تركيا نفسها مؤخرا بمواجهة تحالف ناشئ من الخصوم القدامى والجدد عبر شرق البحر المتوسط، وخصوصا قبرص ومصر واليونان وإسرائيل. ونظرا إلى تراوح علاقتها مع هذه الدول بين الفتور والعدائية، تشعر أنقرة بالقلق إزاء المعدل الذي اصطفت به تلك الدول في تعاون استراتيجي، تضمّن مبادرات مشتركة في المجالات الدبلوماسية والعسكرية والطاقة.”
وإذا كانت هذه التقارير تنتقد في مجملها التردد الأميركي فيما يتعلق بمعركة طرابلس، حيث إن هذا التردد سمح للروس باكتساب النفوذ في الجانب الجنوبي من حلف شمال الأطلسي .. فإن الخيار الأميركي الأنسب ربما لا يتمثل في دعم أي طرف في الصراع الليبي بقدر ما هو الدخول كضامن لتنفيذ العملية السياسية التي حتما ستنشأ بعد أن تضع المعارك أوزارها ويكون هذا الضمان بالمساعدة على حصر السلاح في يد جيش ليبيا، حيث يعد هذا الأخير هو السبيل الوحيد لتطهيرها من أي تواجد للميليشيات الإرهابية
هيثم العايدي – الوطن العمانية











