الخوف تلك التجربة المفزعة لأناس يعانون العجز والبؤس؛ أناس يواجهون قوى لا يستطيعون السيطرة عليها، ولا يفهمونها تماما، لذلك بات الاستثمار في الخوف هو التجارة الرابحة في زماننا المعاصر. فرغم أن فيروس كورونا أودى بحياة المئات مع آلاف الإصابات، وخلف خسائر فادحة لاقتصادات العالم، إلا أن دولا وشركات بعينها استفادت من الوباء، وحققت أرباحا كبيرة لم تكن تحلم بها.
مع مخاوف انتشار الفيروس ارتفع الإقبال على الكمامات الواقية، ولم يتوانَ البعض في استغلال هذا الوضع لتحقيق أرباح خرافية.. في إيطاليا مثلا، ثالث أكبر دولة ضربها الفيروس بعد الصين وإيران، وبسبب حالة الهلع والخوف، بات الحصول على الكمامات شبه مستحيل، نظرا لأسعارها الباهظة. كما أفاد موقع فوكس الألماني بأن تجارا إجراميين استغلوا مخاوف الناس من فيروس كورونا، ليصل سعر القناع الواحد إلى 5 آلاف يورو، وزاد الإقبال على شراء السوائل المضادة للفيروسات، ومنقيات الهواء وأغطية المراحيض، فارتفعت أسعارها لأرقام قياسية لندرة وجودها.
في كل أزمة فرصة، وفي كل مصاب عند آخر فوائد، وكلما تخطى الفيروس الحدود، ناشرا الموت والرعب والخسائر، ساد الخوف والهلع، ونشط خبراء صناعة الرعب، وكثر تجار الاستثمار في المخاوف، باتت شركات الأدوية التي تنتج الكمامات، والقفازات والمعقمات في كل العالم، تئن من الطلبيات المتعاظمة على المنتج، ومعها تتعاظم فرص جني الأرباح، بعد أن توقفت معظم مصانع الصين عن الإنتاج، وهي أكبر منتج للكمامات في العالم، بمعدل إنتاج 50 مليون قطعة يوميا.
95% من إصابات العالم الآن موجودة في الصين، وجراء الإجراءات الحازمة أصبح أكثر من 60 مليون مواطن صيني تحت العزل الإجباري، ونتيجة لذلك تأثر الاقتصاد الصيني بشكل كبير، ونفد بالفعل مخزون الدولة وتجار التجزئة من الكمامات، لذا أقدمت الصين على الاستيراد من الدول المجاورة، وتعاقدت بالفعل على توريد 200 مليون قطعة من تركيا، و135 مليون أخرى من مصر، وأصبحت تجارة إعادة توريد الكمامات إلى الصين مجالا نشطا لمعظم رجال الأعمال حول العالم.
إن الوضع الكارثي الراهن الذي تعيشه الصين يبدو وكأنه نهاية الدور الصيني المركزي، في سلاسل التوريد العالمية، بعد أن تراجعت الحكومة الصينية عن إرسال الطلبيات، واسترجعت الحمولة بحجة الحاجة إليها، وفرضت قيودا قاسية على تصدير هذه الأقنعة، كما أقدمت على تأمين مصنع أميركي منتج لهذه السلعة.
خبراء صناعة الأزمات وصلوا إلى أبعد من ذلك من حيث التغلب على نظام توريد السلع غير المستقر من الصين.. الولايات المتحدة مثلا ستتعرض إلى نقص سيولة، جراء نقص 150 دواء ينتج في الصين، معظمه ليس له بديل، حيث معظم الشركات العالمية، كانت قادرة على توفير السلع بتكلفة منخفضة عندما أنشأت مصانع في الصين، لكن ومع استمرار واستثمار حالة الخوف، فإن معظم دول العالم تفكر جديا في توطين سلعها، رغم أن التكلفة ـ حال الاكتفاء الذاتي ـ تصبح عالية، لكن على الأقل ستكون السلع متوافرة.
كلما زادت المبالغة في أضرار كورونا، ومع تصدير الخوف والهلع، كانت هناك خطط لاستثمار الأزمة، حاليا وعلى المدى البعيد، لضرب الغزو الساحق للمنتجات الصينية، ذلك بإحياء المنتج المحلي، وتعظيم دور الشركات الوطنية والقطاعات المحلية، في تعويض الفاقد وإيجاد البدائل للمنتجات الصينية، بالتأكيد ستخسر أسواق الاستهلاك في العالم، والتي تعتمد على المنتجات الصينية رخيصة الثمن، خصوصا الأسواق الشعبية.
صندوق النقد الدولي يؤكد أن استمرار تفشي هذا الفيروس سيعرض الاقتصاد العالمي للخطر، حيث يتباطأ الاقتصاد ويستمر متعثرا لفترة أطول، نتيجة الصدمات الاقتصادية، عكس الركود الاقتصادي المحدد المدة، لذا هبطت مؤشرات كافة البورصات العالمية بشكل ملحوظ، مع هبوط معظم أسهم الشركات العالمية، ما أوجد فرصا أخرى لخبراء استثمار المخاوف في الشراء بأسعار متدنية، انتظارا لانحسار فقاعات الهلع وسراب المخاوف، حينها يتم جني الثمار وحصد الأرباح.
رغم أن مشكلة فيروس كورونا هي فقط الانتشار السريع، ونسب وفياته أقل من معدل أمراض الإنفلونزا الموسمية، إلا أن خبراء صناعة الخوف لهم حسابات أخرى تضاعف من ثرواتهم، ورغم أن الكمامات لا تمنع الإصابة بالمرض، ولا توصف إلا للمرضى خوفا من العطس ونقل الرذاذ إلى الأصحاء، ورغم أن كورونا لا ينتقل عبر الهواء ولا يستقر إلا على الأسطح، ورغم أن المبالغة في استخدام المعقمات تقتل البكتريا النافعة الحامية للجلد، رغم ذلك وبسبب الرعب ارتفع ثمن الكمامة إلى 5 آلاف يورو، رغم أن غسل اليدين جيدا وباستمرار بالماء والصابون العادي كفيل بالوقاية، إلا أن الخوف رفع من أسعار المعقمات إلى حد مستوى الأحجار الكريمة، وشحت من الأسواق كأنها الترياق؛ إنها التجارة الرابحة والاستثمار في الخوف.
فوزي رمضان
صحفي مصري الوطن العمانية










