لكن ما يهمنا نحن العرب هو معرفة موقعنا الحقيقي على رقعة الشطرنج الاستراتيجية الدولية، وكيف نحمي مصالحنا في عالم متغير بسرعة مدهشة ولا مكان فيه للضعفاء والخانعين؟ فنحن اليوم نواجه مشروعا متفقا عليه لتصفية الملف الفلسطيني نهائيا دون أن ندرك أسرار العلاقات الدولية المعقدة والمصالح الأنانية المتشعبة، فنوظف طاقاتنا لخدمة شعوبنا ونحمي هوياتنا، وننسق جهودنا، ونوحد غاياتنا بابتكار مشروع حضاري عربي مستقبلي وسط هذه الأدغال من القوى المتصارعة حولنا والطامعة في تقاسم خيراتنا كغنائم حرب؟
د.أحمد القديدي كاتب تونسي.jpg)
انعقدت قمة حلف شمال الأطلسي في بروكسل يومي 11 و12 يوليو الجاري بحضور قادة 29 دولة عضوة في الحلف. ولعل هذه القمة والمشاركة العربية تستدعي تحليلا؛ فالحلف يضم من أبرز أعضائه الجمهورية التركية، وكان من الحكمة لدى بعض الدول العربية المشاركة الاستمرار في سياسة الحضور في المؤسسات الدولية كشريك ناجع في مقاومة الإرهاب، وإثبات حقها المشروع في السيادة الوطنية، وفرض مواقفها في مساندة الحقوق الفلسطينية دون تردد في محافل الغرب. فالحلف منذ تأسيسه سنة 1945 في أعقاب انتصار الحلفاء في حربهم ضد النازية الهتلرية حينها بدأت الحرب الباردة بين المعسكر الشيوعي بزعامة ما كان يسمى الاتحاد السوفييتي وبين المعسكر الغربي الأطلسي بزعامة الولايات
المتحدة؛ لأن موسكو المنتصرة هي أيضا على ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية أسست حلف وارسو (على اسم عاصمة المجر التي انعقد فيها أول اجتماع للحلف الشيوعي العسكري) عاش العالم كله مخاطر الحرب الباردة وتداعياتها، بل تحولت إلى مصادمات مسلحة خطيرة في حرب الهند الصينية والحرب الكورية، وكادت تؤدي إلى مواجهة نووية في حصار كوبا سنة 1962، ولم ينج العالم من ويلات الجحيم المبرمج إلا بفضل ما سمي (توازن الرعب) أي ببلوغ العملاقين درجات متساوية من القوة النووية جعلت كليهما يتخوف من ردة فعل الطرف الثاني في حال اندلاع الشرارة، فما كان منهما حينئذ سوى اللجوء للحذر والحيطة وتعديل الخطاب الحربي. ثم في بداية السبعينيات الشروع في التلويح بالحلول السلمية واجتناب التهديد وتقديم التنازلات، إلى أن توجت هذه المجهودات الاضطرارية بمعاهدة هلسنكي التي وقعها بالخصوص بريجنيف الروسي ونيكسون الأميركي لتدشين عهد جديد من التوافق النسبي، والتخلي تدريجيا عن السباق النووي على الأقل قولا وتصريحا لا فعلا وتطبيقا. هذه خلفية الصراع التقليدي بين الغرب والشرق الذي وضع العرب وكل الشرق الأوسط في منزلة ثانوية من الاهتمام؛ لأن عناصر جديدة فاجأت المعسكرين وغيرت معادلات التاريخ السياسي الحديث، وأبرزها تحطيم جدار برلين سنة 1989 وبداية مسلسل انهيار الامبراطورية الشيوعية بتفكك جمهوريات الاتحاد السوفييتي، وتوحيد شطري ألمانيا والتحاق أغلب الشعوب الأوروبية الشرقية بالمعسكر الأطلسي الأميركي، وكاد حلف الناتو يفوز بالانفراد بالأحادية القطبية إلى أن وصل بوتين إلى رأس السلطة بمشروعه الامبراطوري، فأعاد الروح القيصرية للأمة الروسية إلى درجة تمرير صفقة القرم دون ردود فعل غربية، ثم حلت الصين بقوتها الاقتصادية ونفوذها الاستراتيجي، فتغيرت كل المعادلات وأعيدت كل الحسابات. لكن ما يهمنا نحن العرب هو معرفة موقعنا الحقيقي على رقعة الشطرنج الاستراتيجية الدولية، وكيف نحمي مصالحنا في عالم متغير بسرعة مدهشة ولا مكان فيه للضعفاء والخانعين؟ فنحن اليوم نواجه مشروعا متفقا عليه لتصفية الملف الفلسطيني نهائيا دون أن ندرك أسرار العلاقات الدولية المعقدة والمصالح الأنانية المتشعبة، فنوظف طاقاتنا لخدمة شعوبنا ونحمي هوياتنا، وننسق جهودنا، ونوحد غاياتنا بابتكار مشروع حضاري عربي مستقبلي وسط هذه الأدغال من القوى المتصارعة حولنا والطامعة في تقاسم خيراتنا كغنائم حرب؟ اليوم في أواسط عام 2018 نحن أمام غرب مفكك والمؤشرات تتأكد كل يوم حين نرى موقف الرئيس الأميركي ترامب محرجا ينتقده زعماء حزبه والحزب الديمقراطي وعديد القوى الدستورية الأميركية؛ لأنهم غير راضين عن أدائه أمام بوتين في قمة هلسنكي (14 و15 يوليو) نرى ترامب يتراجع ويعترف بوجاهة استنتاجات (مولر) بخصوص التدخلات الروسية في انتخابات 2016 الأميركية، ثم نرى تكتل الدول الأوروبية ضد قرار ترامب بالانسحاب من معاهدة النووي الإيراني، كما نرى قمة التصدع الغربي باندلاع الحرب التجارية بقرار ترامب فرض الضرائب الثقيلة على منتجات الدول الأوروبية (حلفائه التقليديين) والصينية والروسية فنشهد لأول مرة منذ سبعين عاما اصطفاف فرنسا وبريطانيا وألمانيا ودول أوروبا إلى جانب الصين وروسيا في رفض قرارات ترامب! أما عالمنا العربي فهو أشد تفككا من الغرب وأفدح وضعا بسوريا والحرب عليها، وعراق منتفض من أجل الماء والخدمات الأساسية، وليبيا المتوغلة في نفق العنف، ويمن تحت القصف واستحالة الحسم العسكري، وشمال إفريقيا المعوق بليبيا وانعدام الدولة فيها، وبتونس الداخلة في أزمة اقتصادية وسياسية، ومغرب يواجه غضب شبابه، وجزائر حائرة في توجهات مصيرها مع تفاقم معضلة الصحراء بين غربية ومغربية، ما عطل وحدة الشعوب المغاربية على مدى جيل كامل! إننا أمام تصادم غرب مأزوم بعرب مأزومين لم نستخلص دروس التاريخ القاسية ولم نتعلم من أخطاء ماضينا.
د.أحمد القديدي كاتب تونسي– الوطن العمانية










Discussion about this post