بتنفيذ الرئيس الأميركي ترامب وعده المشؤوم بنقل سفارة بلاده إلى القدس المحتلة أمس الأثنين يكون الرجل الذي افتخر رئيس الوزراء الإسرائيلي عبر تويتر بقدرته على أن يكون عند كلمته، قد أسهم في كشف المستور في الموقف العربي تجاه القضية الفلسطينية.
ظل الموقف العربي تجاه هذه القضية على وجه العموم والقدس على وجه الخصوص يعاني من حالة من “الانفصام السياسي”، وهي حالة شبيهة بمرض انفصام الشخصية الذي يصاب به الأفراد من البشر، حيث يكون سلوك الفرد مضطرب الفكر واللغة التي تكون عادة فقيرة في محتواها ومضامينها ومفككة كحال بيانات جامعة الدول العربية تجاه تداعيات الصراع حول القضية، فضلا عن الاضطراب الحركي وعدم الثبات في مواقف السلوك الحركي والتحركات للمريض كالسائد من حالة عدم الصمود العربي.
هذه الحالة المرضية التي نسأل الله أن يشفي كل مصاب بها من بني البشر الذين لاذنب لهم فيما اصيبوا به من مرض قدره الله لهم، هي حالة أقرب الى الموقف العربي تجاه القضية الفلسطينية على مر السنين، والذي رغم نجاح الاعلام العربي الرسمي والأكاديميات الوطنية المدرسية في تبيان صلابة وتماسك ذلك الموقف تجاه القضية كونها القضية المحورية للأمة العربية، إلا ان الموقف العربي كان دائما يشهد كبريات الاختراقات من جانب مكونات الصف العربي نفسه حتى في ظل أشد لحظات الحروب في الجبهات العسكرية التي كانت متقدة في مرحلة من مراحل الصراع..jpg)
لقد استفحل الفصام السياسي في الصراع العربي الاسرائيلي منذ أن تمكنت الاستخبارات الاسرائيلية من تغيير موازين القوى العربية بالمنطقة لصالحها لدرجة تحولت فيها مفاهيم الصراع بالمنطقة من صراع من أجل ابراز القدرة على انتزاع الحقوق المسلوبة، إلى صراع من أجل إرضاء من يمتلك القوة لضمان ثبات الأنظمة السياسية طالما انه بالإمكان أن تتغير الرؤى تجاه القضية الفلسطينية والقدس المحتلة.
في الواقع لم تكن حالة الانفصام السياسي تجاه القضية الفلسطينية شديدة الوضوح طالما ظل الاعلام العربي ستاراً واقيا يلعب دور الحاضن لتلك الحالة بالقدر الذي تصور فيه الشارع العربي من أقصاه إلى اقصاه بأن القدس خط أحمر لن تجرؤ اسرائيل او اميركا أو غيرها على اعلانها عاصمة رسمية لإسرائيل، لأن العرب كما ظن رجل الشارع العربي البسيط وظل مقتنعاً بأنهم لم ولن يسكتوا تجاه المزيد من التعدي على القدس الشريف.
ظل الأمر كذلك حتى ظهر في البيت الأبيض من هو اشبه بالكثير من الشخصيات الأسطورية في التراث الثقافي العربي، فأتي الرجل بما لم يأتي به الأولون من قرارات اقل ما يمكن لرجل الشارع الاسرائيلي او الاميركي ان يصفها به هو انها قرارات شجاعة، رغم انها وفق قناعاتنا العربية قرارات مشؤومة، وليس بمقدور ألستنا ان تنطق بأكثر من كلمات مستهلكة لتصفها بها مثل “مشؤومة، ومرفوضة، ومدانة، ومستهجنة ومستنكرة “.
فقد تمتعت تلك القرارات بقوة وارادة التنفيذ الآني والسريع، مقابل المئات وربما الآلاف من قرارات جامعة الدول العربية التي لم تتمكن من تنفيذ اي منها على مدى اكثر من سبعين عام، وبهذا تكون الحقيقة المؤلمة قد انكشفت للعيان، وهي ان كل ما كان معلنا طوال العقود السبعة الماضية ماهو الا جعجعة بلاطحين، وهو واقع مؤلم كان مختفيا وراء بوق الاعلام العربي الجمعي، وهو في المجمل مستور كشف عنه الصمت العربي الجماعي الذي لازم تطبيق قرار ترامب أمس الاثنين بشأن نقل سفارته الى القدس المحتلة!.
طارق أشقر











Discussion about this post