نعيش اياما يمرح فيها الخيال كما لم يفعل منذ ان خطى الانسان اولى خطواته على الارض وسرح ببصره وخياله نحو الافق يفكر فيما يمكن ان يكون ورائه .
من وقتها والانسان يفكر ويتخيل اشياء تقع خارج حيزه الطبيعي او يتمادى خياله فيمتد بعيدا الى ما وراء عقله وحسه وزمنه .
كنا نفرق – كأطفال ثم كمراهقين وبعدها ككبار – انها شطحات خيال ، ولكن هذه الشطحات هي التي اهّلتنا لاستقبال خيالات آخر القرن ، ربما لنتفهّم حيرة الكثيرين الذين جاءتهم الخيالات في شكل انجازات والتي قصرت المسافة الزمنية التي تفصل بين الخيال والانجاز الى حد ان اصبح الخيال يتحول الى انجاز قبل ان نمارس معه وبه متعة التخيل ورفاهيته .
لقد تسارعت كل الخطى بخاصة خطى الواقع وانجازات ابداعاته فشوهت جمال التخيل وجارت على فسحة الخيال .
المستقبل في زماننا غير المستقبل في زمان غيرنا وبخاصة اسلافنا – المستقبل في زماننا قد لا يكون ابعد بكثير عن اطراف الانامل . واذا ابتعد فلن يتجاوز في اغلب الحالات مدى البصر ولهذا المشهد نماذج قائمة في الحاضر .
كثير من الشركات العملاقة تتجه نحو نظام ادارة لا رئيس فيه ولا مرؤوس , لا مكاتب عليها ورق ولا طاولات اجتماع ولا خزائن للملفات والوثائق بل انها – اي هذه الشركات – كثير منها غير موجود فعليا … غير كائن ماديا .. شركات بدون موقع ولا مبنى ولا عنوان ولا هاتف – مشروعات تتحرك في ارجاء الدنيا بحرية واسعة لا تخضع لقوانيين ، ولا تدفع ضرائب ولا تلتزم بتشريعات قد تقيدها ومبادئ قد تحرجها وسياسات قد تزعجها وليس الامر خيالا او كان خيالا وصار انجازا .
لذلك يمرح الخيال هذه الايام في رسم مشهد تنشأ فيه شركات متعددة الجنسيات تتخصص في انتاج" خدمات سياسية " من هذه الخدمات تخطيط ميزانيات الدول وإعداد مشروعات وتقديم افكار لقوانيين وانتاج أو اعادة انتاج ثقافة وخصخصة – عدالة التوزيع – وخصخصة المساواة في الحقوق والواجبات وانتاج سلع سياسية جديدة وتدريب نخب سياسية على مهام مختلفة تتطلبها اخلاقيات نظام العولمة وتوازناته ومبادئه وتنظيم انتخابات سياسية وصناعة زعامات وهدمها .
بل ان التطورات الاجتماعية والاقتصادية المتسارعة صارت هي نفسها تتطلب وجود سياسيين من نوع احدث او بالتعبير السائد " ما بعد الاحدث " فقد صارت الشعوب أقل مبالات بالسياسة والمجتمعات تزداد شيبا وتقل شبابا اي تزداد طلبا على الخدمات وربما الحاجة الى سياسيين من نوع مدرب على التعامل مع قضايا بشر مستنسل أو مستنسخ معمليّا ومحوسب مخيّا . وربما الحاجة الى سياسيين يتفهمون ظروف مجتمعات سيكون الفرد فيها نواتها وليس العائلة والمواطن فيها ان وجد فولاؤه للطائفة أو لجماعة سرية أو لرفاق وهميين يلتقيهم على شاشات الانترنيت مرات كثيرة في اليوم الواحد ويصنع معهم عالما جديدا ، عالم مشروعات وآفاق بين الحقيقة والوهم .
مثل هذا العالم في امس الحاجة الى حكومات ونخب سياسية أقدر على فهمه والتعامل معه اي قيادة مستنسلة سياسيا واجتماعيا ومخلقة ومدربة في مراكز بحوث الشركات العملاقة أو في جامعات تمولها هذه الشركات
حتى في السياسة تتسارع خطى الانجاز لتجور على فسحة الخيال ومتعته
د. بشير حسن بدور
رئيس التحرير










Discussion about this post