المئات من إرهابيي “داعش” فرّوا من سورية إلى تركيا، على أمل العودة إلى بلدانهم الأصلية، وغالباً ما ستكون وجهتهم أوروبا على شكل ذئاب منفردة، ضربت في الماضي وستضرب مستقبلاً عواصم دول كبرى فيها، ما بث الرعب والهلع في عموم القارة العجوز، وجعل حكام دولها يحاولون تدارك الأمر على عجل بتبديل المواقف وإعادة ترتيب أولوياتهم، والبدء بتصحيح وضع الصورة المقلوبة التي حاولوا تسويقها خلال السنوات الماضية، فتقدّمت أولوية مكافحة الإرهاب على دعم “الثورات”، فالأولويات ببساطة عندهم تتبدّل وفق المصالح والأجندات وما تقتضيه الضرورات..jpg)
ذلك لم يفاجئنا، فهذا هو الغرب المتحضر، وهذه هي سياساته واستراتيجياته، أثناء وبعد الحروب، لا مكان لديه للعواطف مهما سالت دماء ودمّرت مدن وشردت شعوب في أصقاع الدنيا. وطالما أن الحرب تخدم مصالحه، يستمر فيها، وعندما يجد أنها لم تعد تخدم مصالحه أو وصلت أدواته إلى طريق مسدود وباتت تهدد أمنه واستقراره، عندها فقط يبدأ بالاعتراف بالحقيقة بالطريقة التي لا تخرجه بهيئة المهزوم أو الضعيف، من خلال الإدلاء بتصريحات مفادها بأنه قدّم ما لديه في سبيل نشر قيم الحرية والديمقراطية، وذلك كمقدّمة للانسحاب، وترك من استخدمهم يقلعون شوكهم بأيديهم.
هذا ما حدث في الحالة السورية، فبعد نحو سبعة أعوام من الحرب، وبناء على مقتضيات الميدان، أعلن ترامب وقف دعم “المعارضة السورية المسلحة”، وأوعز للمموّلين في الخليج وتركيا وقف تصدير الشيكات وشحنات الأسلحة، لتتوالى بعدها التصريحات من كل حدب وصوب محذرة من خطورة الوضع الذي وصلت إليه منطقتنا، ما يحتم ترتيب إعادة ترتيب الأوراق، وركب الجميع صهوة مكافحة الإرهاب، وبات هذا الأمر أولوية الدبلوماسية الفرنسية، حسب ماكرون، وميركل تقول بوجه مكفهر يدلل على الشعور بالإحباط: “الرئيس الأسد أقوى مما نريد”، وسبقهم في ذلك السفير الأمريكي السابق في سورية روبرت فورد بالقول: “الحرب انتهت.. والأسد انتصر”. ذلك بالمجمل يؤشّر على أن الغرب في طور البحث عن مقاربات جديدة علّه يشارك في حصاد ما زرعه من إرهاب، قبل أن يصل الناتج والبذرة إلى بلاد العم سام.
صحيح أننا كسوريين لم نكن ننتظر من حكومات الغرب أن يمنّ علينا بالاعتراف بشرعية الدولة السورية ونظامها السياسي، ولا أن يبلغنا بأننا انتصرنا في الحرب، لكن ذلك يمثّل اعترافاً بيّناً بأن ما حدث في سورية ليس حراكاً ثورياً أو صراعاً على سلطة بين فصيلين محليين، كما حاولوا إيهام الرأي العالمي، وإنما حرب يمكن اعتبارها حرباً عالمية ثالثة قادها الغرب، وعلى رأسه أمريكا، عن بُعد، في سبيل الإبقاء على هيمنته وحماية أمن “إسرائيل” أمام صمود محور المقاومة، المدعوم من القوى الصاعدة، والساعي إلى إنهاء الأحادية القطبية وإعادة الحقوق المغتصبة إلى أصحابها.
من الآن وصاعداً سيتبدّد مصطلح دعم الثورات لدى الغرب ليحل مكانه مصطلح مكافحة الإرهاب، وما على المراقب سوى الانتظار قليلاً حتى يرى هؤلاء يهرولون لطلب إعادة العلاقات مع سورية، وذلك ليس نتيجة هزة أيقظت ضميرهم، وإنما لكابوس لم يعد يفارقهم يتمثّل في سكاكين “داعش” التي بدأت تعود بكثافة إلى بلاد المنشأ، انطلاقاً من تركيا، وهذا ما جعلهم يبدؤون بلملمة أوراقهم على عجل قبل أن تخرج الأمور عن السيطرة.
مما تقدم فإن كان الغرب يعتقد أنه باعترافه بشرعية الدولة السورية قد دفع فاتورة ما تسبب به من عذابات لشعبها، أو أن سورية على عجلة من أمرها لإعادة فتح السفارات الأوروبية على أراضيها، إنما هو واهم، ذلك أن هناك إجراءات كثيرة على محور الحرب اتخاذها، يأتي في مقدمتها رفع العقوبات الظالمة عن شعبنا، والتعويض عما دمرته يد الإرهاب الذي صدّروه ودعموه وموّلوه، وهذه بداية الحساب الذي يجب أن يدفعه المهزوم.. وللحديث بقية.
عماد سالم – البعث











Discussion about this post