لأن أطفالنا هم بذرة المجتمع الواعدة، فلا تقدم أو رقي لأي مجتمع دون الاهتمام بالطفل وثقافته بوصفه القاعدة الأساسية لأي مجتمع، فإذا صلحت هذه
القاعدة صلح المجتمع، وإذا فسدت فسد المجتمع، فإعداد الجيل الحالي هو من أخطر المسؤوليات وأصعبها لما تحمله هذه الفترة من تغيرات، سواء تكنولوجياً كجعل أطفالنا يبتعدون عن ألعابهم البسيطة متجهين إلى الألعاب التي أفرزها عصر المعلوماتية، أو ما أفرزته الأزمة التي عاصرها هذا الجيل، وما خلفت في أذهان أطفالنا من رواسب يحملونها بقية حياتهم، لذا فقد آن الأوان كي نعيد النظر فيما تقوم به هذه الجهات في مجال تثقيف الأطفال، وأن نشرع في تنفيذ نتائج الدراسات، والبحوث، وتوصيات المؤتمرات والندوات التي تؤكد ضرورة التغيير في وسائل التثقيف في هذه الجهات، بما يضمن تأصيل الهوية، وتقوية الشعور بالانتماء والمسؤولية عند الطفل، وتنمية مهاراته، وتوسيع آفاق معرفته، وتمكينه من التفاعل الإيجابي مع روح عصره ومتطلباته، في جو يسوده احترام الطفل، وتمكينه، والاعتراف بقدراته وإبداعاته.
تحديات
إن الاهتمام بالمستقبل، والعمل من أجل الغد ليس وليد العصر، ولكن اليوم نظراً لما يتسم به العصر من سرعة التغير، أصبح الاهتمام بالمستقبل ضرورة حتمية، وانطلاقاً من سمات هذا العصر، كان علينا أن نحدد التحديات التي تواجه جيل المستقبل من تحديات إعلامية، وتكنولوجية، ومشكلات اجتماعية تعيق هذا الطفل عن التفاعل مع مجتمع الغد، ولعل أخطر التحديات التي تؤثر على ثقافة طفلنا هو القدرة الفائقة لوسائل الإعلام في صياغة العقول البشرية، وقدرتها على اختراق هذه العقول ثقافياً، وبالتالي القدرة على صياغة فكر وأخلاق الطفل، وهنا نتساءل: “كيف نربي جيلاً على نهج سليم خال من الشوائب، خصوصاً أننا في مجتمع تتضارب فيه مفاهيم كثيرة ذاتية كامنة فينا، وأخرى خارجية حملتها رياح الغرب التي اخترقت بنيتنا الثقافية الهشة”؟!.. فأفلام الكرتون التي نستوردها من الخارج تعمل على زعزعة روح انتماء وولاء الطفل لأمته، بحيث يرتبط فكره وسلوكه وحبه وولاؤه ونصرته بما تبنيه وترسخه هذه البرامج من قيم وثقافات مناقضة لثقافة أمته، لذلك إذا أردنا أن نبني مستقبلاً يجب أن نبني طفلاً، وبناء الطفل ليس بالأمر السهل، فهناك تأثير البيت، والمدرسة، والأصدقاء، والبرامج التلفزيونية، ولكل تأثيره الكبير في تكوين شخصيته، وخاصة برامج الأطفال التي هي بحاجة للكثير من الاهتمام والانتباه، وأن يشرف عليها اختصاصيون وموجهون تربويون، وأن تكون مدروسة، وتؤدي الغاية المرجوة منها، لأنها تساهم في تشكيل جزء لا يستهان به من ثقافة الطفل.
ثقافة تكنولوجية
ومنذ بداية الثورة المعلوماتية، بات الطفل تحت تهديد ثقافي جديد، بالإضافة إلى ثقافة البيت، والبيئة، والمدرسة، وهي الثقافة الالكترونية التي جذبت أطفالنا قبل كبارنا، فبات الإبحار في مواقع الأنترنت لاكتشاف ألعاب جماعية، ومشاهدة الفيديو، وألعاب الأتاري يشكّل الشغل الشاغل لمعظمهم، وأصبحت من الأدوات التي يمكن أن تتدخل في تحديد ملامح ثقافته، لذلك أصبح الأبوان، والمدرسة، والمؤسسات المعنية بثقافة الطفل أمام خطر شديد يتطلب منهم البقاء يقظين ليستطيعوا التحكم بشكل مستمر بهذا المصدر الأعلى سطوة، وخطورة، وتحدياً، ليكون تفاعل طفلنا معها بالشكل الإيجابي الصحيح، وهنا كان في اعتقاد المهندس عصام حمدي، “مخترع وعضو في الجمعية السورية للمخترعين”، أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في الثورة العلمية والتقنية، بل في السؤال الذي نسينا طرحه على أنفسنا: “هل أعددنا أطفالنا للمشاركة الإيجابية في هذه الثورة العلمية والتكنولوجية مستقبلاً، أم سوف نتركهم عاجزين، متلقين سلبيين لما تطرحه لهم شعوب الغرب من نتاج هذه الثورة، فيصبحوا أقزاماً في عالم العمالقة”؟!.. فقد أصبحت معرفة الحاسب، وإجادة التعامل معه ضرورة عصرية كضرورات القراءة والكتابة، لذا لابد من أن نوجه الطفل للتعلّم الجاد عن طريق العناية بتثقيفه العلمي، وشحن أفكاره بقصص تتحدث عن إنجازات العلم الباهرة في إطار من الموضوعية، وبما يتناسب مع المرحلة العمرية التي يعيشها، إضافة إلى ربط العلوم النظرية التي يقوم الطفل بدراستها بالتطبيق، وعن طريق ذلك تتم تنشئة وتثقيف الطفل علمياً وتكنولوجياً بشكل صحيح.
تشوّه ثقافي
ثقافة الأطفال في سورية تواجه تحديات كبيرة وكثيرة كونها مازالت تقليدية تقوم على الوعظ، والتسلّط، والتخويف، والقهر، في عالم تغيراته سريعة، وثقافته معولمة، ومعلوماته متدفقة بوتيرة لا تجارى، وبانتشار غير محدود، ومثل هذه التحديات تفرض على كل المهتمين بثقافة الطفل السوري، أفراداً، وأسراً، ومؤسسات، ومراكز، ضرورة الأخذ بنموذج جديد في تثقيف الطفل يقوم على إحداث تغييرات فعلية لبناء ثقافة جديدة تسهم في الارتقاء بواقع الطفولة، وتهتم بإشراك الأطفال في التخطيط لمستقبلهم، وتشجعهم على الإبداع والابتكار، حسب رأي سمر سعد الدين، “باحثة تربوية”، وأي نتاج ثقافي للأطفال يجب أن يبنى على أسس تربوية حديثة وأصيلة في الوقت نفسه، ولابد من العودة إلى التراث، وإعادة إنتاجه بطريقة احترافية، فمعظم الذين يعملون في مجال الطفولة: (إعلام، وثقافة، وتربية)، لايزالون يتعاملون مع الأطفال من منظور المتلقي السلبي، وغير قادرين على فهم احتياجات الأطفال وقدراتهم، فلابد من تفعيل المراكز الثقافية، والمكتبات العامة، والمسرح، ودور السينما، واستقطاب كافة فئات المجتمع، والاستعانة بخبراء في الطفولة كاستشاريين في البرامج التلفزيونية، والإعلامية الموجهة للأطفال، وتوجه وزارة الثقافة إلى دعم المشاريع الثقافية، والتراثية، ودعم صناعة الكتاب الموجه للأطفال.
البعث











Discussion about this post