إن الخيار بين يمين الوسط ويسار الوسط في الغرب اليوم هو خيار بين شعبوية عنصرية وعولمة استغلالية.. وحسبك من أمرين أحلاهما مر!!… كلاهما بعيد عن الشعبية الحقيقية..
يكاد قاموس المصطلحات السياسية المعاصر يعج بالألفاظ التي تضمر أكثر مما تفصح وتضلل أكثر مما تشرح.. ومن الواضح أن أي مصطلح يضاف إلى آخره في الانكليزية مقطع (ism) يأخذ معنىً جديداً يحول المفهوم إلى نهج وإيديولوجيا يلتزم بها صاحبها باعتبارها طريقة تفكير وطريقة حياة..
فالديمقراطية، مثلاً، مفهوم يعبر عن الحكم الانتخابي، أما الديمقراطوية (democratism) تشير إلى نهج حياة وإيدولوجيا. المفهوم الأول تقني أما الثاني فإيديولوجي.. وهكذا يمكن الحديث عن الإسلامية والإسلاموية، عن الاقتصاد والاقتصادوية، والسياسة والسياسوية.. الخ. وكذلك يمكن الحديث عن الإرهابية كمفهوم تقني يضطر الإنسان أحياناً استخدامه مع أبنائه من أجل إصلاحهم، والإرهابوية (terrorism) كنهج عمل وحياة يستند إلى الإرهاب باعتباره أساس الإيديولوجيا..
من هذه المصطلحات ظهر مفهوم الشعبوية مع صعود اليمين الجمهوري في الولايات المتحدة على أنقاض الديمقراطيين، وبوادر صعود يمين الوسط في أوروبا أيضاً (فرنسا بوجه خاص) على أنقاض الاشتراكيين. والشعبوية تختلف عن الشعبية. هذه الثانية تعني الالتزام بمصالح الشعب كموجه للسياسة، أما الأولى فتعني إثارة «غرائز القطيع» من أجل كسب عواطف العامة..
الشعبية تعني بمصالح العامة وتقدم المجتمع والعدالة الاجتماعية، أما الشعبوية فهي ديماغوجية وغوغائية عنصرية هدفها إثارة الغرائز عبر إيهام الشعب بأنه الأفضل والمتميز عن غيره دون أي تفكير نقدي.. ومن الواضح أن الشعبوية ليس هدفها تحسين أوضاع العامة وإنما إيهامهم بأن أوضاعهم جيدة لأنهم الأفضل، وبالتالي دفعهم كي ينسوا مشاكلهم الحقيقية..
«ألمانيا فوق الجميع» شعار رفعه هتلر فأثار غرائز الملايين وكان بذلك واحداً من أهم فرسان الشعبوية في التاريخ الحديث. قبله فعلها نابليون بونابارت ممجداً فرنسا والفرنسيين الذين اندفعوا خلفه في حرب مجنونة وصلت إلى أبواب موسكو حيث استفاق الجميع من غيبوبة الشعبوية أمام الواقع المرير الذي كانت خاتمته في واترلو، حيث انهزم بونابرت أمام «حلف أوروبا المقدس»..
«أمريكا أولاً» شعار رفعه ترامب لإثارة غرائز البسطاء، وهم عامة الشعب، وإيهامهم بأنهم ليسوا مستغلين (بفتح الغين) لأنهم الأفضل في العالم. فعلها البريطانيون مع «البريكست» وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي دون تمحيص حول المصالح الحقيقية للشعب العريض. اليمين المتطرف (ماري لوبين) في فرنسا ترفع الشعارات الشعبوية ذاتها، ويميل إليها يمين الوسط (****) أيضاً.
إنها شوفينية وعنصرية هدفها تضليل الناس. عليكم أيها الناس أن تنسوا همومكم الحقيقية لأنكم الأفضل في العالم. هذه هي الرسالة الشعبوية التي يستخدمها اليمين في مواجهة ما يطرحه يسار الوسط في الغرب من سيطرة واسعة لوحوش العولمة والشركات متعددة الجنسيات..
أردوغان ركب موجة الشعبوية ببراعة واضحة. أثار هذه الزوبعة مع أوروبا كي يثير الغرائز القومية لدى الأتراك ويصبح في نظرهم بطلاً قومياً. الهدف هو دعمه في الاستفتاء القادم حول تغيير الدستور في تركيا.
د مهدي دخل الله – البعث











Discussion about this post