كم هو ملفت هذا الإصرار الخطير، والمدمّر، للأمم المتحدة، بشخص مبعوثها الدولي “ستيفان دي ميستورا”، على مكافأة الإرهاب، عبر اقتطاع جزء من الجسد السوري ليقيم عليه “إدارته الذاتية”، وهي تسمية مفخخة للتقسيم، الذي يبدو كهدف نهائي للمخطط الغربي في المنطقة بعد الفشل الواضح في تنفيذ الهدف الأولي المتمثّل بإسقاط دور ومكانة سورية باعتبارها الركن الأساس في محور المقاومة والممانعة في المنطقة.
وإذا كان وجه الخطورة في الأمر يتمثّل بالوضع السوري تحديداً من حيث إدامة الأزمة وزيادة عدد ضحاياها، فإن الأثر المدمّر لهذا الطرح يطال منظمة الأمم المتحدة ذاتها، دولاً وميثاقاً، ويكرّس سابقة خطيرة يمكن البناء عليها في أي مكان آخر في العالم، حيث يمكن لعدة مئات أو آلاف من المسلحين اقتطاع بقعة ما من أرض أي دولة وأخذ سكانها رهائن لمشروعهم، ثم تأتي الأمم المتحدة لتشرعن هذا الأمر ضاربة عرض الحائط بميثاقها وقرارات مجالسها المتعلّقة بالحفاظ على السيادة الوطنية للدول، وهي، أي السيادة الوطنية، جوهر فلسفة وجود “الأمم المتحدة” ومبرر قيامها أصلاً.
بيد أن الملفت أكثر من ذلك هو هذا الإصرار الغربي على حماية “النصرة” تحديداً في كل مرة تصبح فيها في الموقع الأضعف، وهو إصرار لا يلتفت إلى خطورة تغيير موقف المبعوث الأممي من وسيط محايد إلى طرف مشارك، يعلن تارة عن استعداده لمرافقة مسلحين تصمهم الأمم المتحدة ذاتها بالإرهاب إنقاذاً لهم من المصير المحتوم، ويعلن تارة أخرى عن ضرورة حماية ما يسميه بـ “المجلس المحلي”، علماً أن هذا المجلس ليس سوى “لعبة بيد الإرهابيين.. إذ منحت فصائل غير شرعية حق التحكّم بمقدرات حياة المدنيين، من أجل كسب ولائهم عبر الابتزاز”، وهو المجلس ذاته الذي أطلق النار على معارضيه من السكان المدنيين-الرهائن في حقيقة الأمر- في الجزء الذي “يديره” لمحاولتهم الانعتاق من سيطرته، وهو “المجلس” الذي قصفت قواته، و”النصرة” قوامها الأساس، مدارس حلب وقتلت التلامذة على أبوابها في الوقت الذي كان فيه دي ميستورا يعرض “فكرته” الغريبة في دمشق، ليبدو، بصريح العبارة، أن همّ الرجل، ومن يقف خلفه، ليس إنقاذ تلاميذ حلب ونسائها، بل إنقاذ الإرهابيين، وتقسيم حلب وترك سكانها رهائن لهم ولمن يقف معهم ويدعمهم من الخارج.
والحال فإن إنقاذ “النصرة” هو سياسة أمريكية معلنة منذ البداية، وهي سياسة تدرّجت من إنكار وجودها لإنكار وجود الإرهاب بالمطلق، إلى اتهام الحكومة السورية بصنعها واستخدامها لتشويه صورة سورية، وحين لم يعد الإنكار مجدياً أمام اعترافها العلني بالجرائم التي ارتكبتها جاءت مرحلة الاكتفاء بوصمها بالإرهاب والصمت عمّا يستلزمه ذلك من تنفيذ لقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة بقطع مصادر التمويل والتسليح ومحاسبة من يتعامل معها، وأكثر من ذلك التنصّل من الاتفاق مع روسيا بشأن التفريق بين الإرهاب ومن أسموهم بـ “المعتدلين”، لأن واشنطن لا زالت تعتقد أن هذا التنظيم الإرهابي هو الجيش الوحيد، مع شقيقه الأيديولوجي “داعش”، الذي يمكن له تنفيذ خطة استنزاف محور سورية وحلفائها استعداداً لبروز الصيغة النهائية التي تحضرها واشنطن لهندسة مآلات الصراع، ليس في سورية فقط بل في الإقليم كله.
بيد أن الجواب السوري على كل ما سبق واضح جداً، فسورية التي حاولت حلّ المسألة بكل الوسائل السلمية الممكنة، فأعلنت عن مبادرات “هدن” متتالية والتزمت بها رغم عدم التزام الأطراف الأخرى، ثم وافقت على خروج من يرغب من المسلحين وعرضت تسوية وضع من يرغب بالبقاء منهم في بيته، لا يوجد في قاموسها فكرة “الإدارة الذاتية” المرفوضة جملة وتفصيلاً.
وسواء كان “دي ميستورا” وسيطاً أم طرفاً، وسواء قامت الأمم المتحدة بدورها أم تخلّت عنه، فإن المستقبل، ومستقبل حلب تحديداً، لن يرسم ملامحه سوى الشعب السوري فقط لا غير، وقد بدأت هذه الملامح ترتسم على وقع خطوات الجيش السوري المتسارعة، وإنّ غداً..
سنمار الاخباري- صحف











Discussion about this post