وقف إطلاق النار في سورية وفي حلب حصريا, يعتبر من أغرب الاتفاقات القطبية للراعيين الروسي و الأمريكي , وأكثرها غموضا, ولنا أن نعتبره سابقة لا مثيل لها في تاريخ الحروب..jpg)
فكل المعطيات السياسية والميدانية للإتفاق وما يحيط بها من مواقف إقليمية ودولية , معقدة وصعبة , بعد سقوط المراهنة والتعويل على أية هدنة جديدة بعد "هدنة" الخداع الأمريكي في شباط الماضي, وأصبح الاتفاق فكرة خيالية, لا تملك أيا من فرص النجاح والتطور نحو تطويق الحرب وإنهائها. خصوصا ما حدث بعد لحظات من بدء سريانه , وسط إلتزام الدولة السورية به , ومعاودة الإرهابيين الهجوم على مواقع الجيش لاستعادة ما فقدوه في القتال على محور الكاستيلو وغيره , لفك الحصار عنهم في أحياء حلب الشرقية.
لقد تأرجح الاتفاق بين تفاؤل الرئيس الروسي, وحَذر البيت الأبيض, وسط قبول و رفض بعض الفصائل والتنظيمات الإرهابية , فيما وافقت عليه الدولة السورية من خلال دبلوماسية عالية.
ويأتي الاتفاق في سياق محاولات الإدارة الأمريكية لاستدامة الحرب على سوريا كهدف استراتيجي , عبر سياستها اللا أخلاقية – دون خجل اعتمدت فيها الكذب والنفاق والخداع والمراوغة ونقض الاتفاق مع موسكو وإيقاف العمل به , بعدما سعت لحماية إرهابيها ومنع انهيار صفوفهم خصوصا في حلب.. وتدخلت بشكل مباشر وقصفت مواقع الجيش العربي السوري في دير الزور, وأعادت تسخين الأرض في مدينة حماة للتعويض عن هزيمتها في جبهة أحياء حلب الشرقية.. ناهيك عن سياسة الحقد و الانتقام من الدولة والشعب و محاولاتها المستمرة في تخريب البنى التحتية وتدمير الجسور.
لم تكتف واشنطن "بتجميد" الاتفاق , وأطلقت سلسلة رسائل تصعيدية لوقف تقدم الجيش السوري في حلب , و بانتقالها إلى الخطة B , لكن الرد السوري لم يتأخر, فالرئيس الأسد أكد تحرير " كل شبر" , والسيدة شعبان " كل ذرة تراب " و الدكتور الجعفري" كل إنش" من سورية.
فبعد ادعائها لسنوات أنها تحارب الإرهاب , وتشكيلها تحالفا ستينيا لا يحمل أي صفة قانونية , مارست تدخلا سافرا مباشرا على الأراضي السورية واعتدت على سيادتها ,.. وتهربت مرارا من فصل المعارضة المعتدلة المسلحة عن التنظيمات الإرهابية, فعشرة أشهر لم تكن تكفيها لذلك ؟ ..وامتنعت عن تنفيذ بنود الاتفاق , و اختبأت وراء خلافات أمريكية – أمريكية داخلية تعكس مدى وقاحتها و طبيعتها الشريرة , بما لا يدع مجالا للشك بأنها رأس الشر في العالم.
كان توقيت تعطيل الاتفاق مرتبط ببدء انهيارات المجموعات الإرهابية في حلب , وسقوط مخيم حندرات وحي الفرافرة ومشفى الكندي وأجزاء واسعة من حي سليمان الحلبي وغيرها من الإنجازات.
بات من الواضح أن التوافق الدولي- الظاهري- حول الحل السياسي في سورية لم يرتق إلى حيز القناعة ولا زال يقبع في خانة المراوغة والخداع وإعادة التموضع للإدارة الأمريكية و أدواتها الإرهابية , بعد فشلها الذريع في منع المد الهجومي الكبير للحسم العسكري في حلب – أكبر المدن السورية مساحةً وإخراجها تماما من خارطة التقسيم .
كان لا بد للإدارة الأمريكية أن تفعل المستحيل لمنع هزيمتها وانهيار سياستها في حلب وسورية وربما لما هو أبعد من ذلك في ظل إدارة تزداد ضعفا يوما بعد يوم , أخذ عامل الزمن يلاحقها ليصبح عاملا ضاغطا على الرئيس أوباما , الأمر الذي يفسر تصعيدها الكبير قبيل تصدير ملفاتها للإدارة اللاحقة , واقترابها من سن التقاعد, فالانتخابات الأمريكية على الأبواب , وقدرة الرئيس أوباما على اتخاذ القرارات الاستراتيجية تنخفض أكثر فأكثر , وعليه نعتقد أنها تُبالغ في تهويلها وتهديدها , وهي أعجز من تنفيذه , ونعتقد أن لعبة الصقور و الحمائم في مراكز صناعة القرار الأمريكي الخمسة , ما هي إلاّ خطوة مرتبكة أخرى , تدفع ثمنها عبر استعداد سورية و روسيا و إيران في تحصين دفاعاتهم , و في تسريع استقدام الصواريخ الدفاعية S300 ونشرها في سورية , لتصبح في عهدة القوات المسلحة السورية , ناهيك عن استقدام روسيا ما تحتاجه اليوم للدفاع عن سورية , ومستقبلا للحفاظ على علاقتها وتواجدها في سورية والبحر الأبيض المتوسط.. وتضع واشنطن في مأزق الخطة B الروسية, وما يدفعنا لهذا – التفاؤل – عدول "الصقور" عن مهاجمة سورية في 2013 بعيدا عن التواجد والمشاركة العسكرية الكبيرة لموسكو في الحرب على الإرهاب يدا بيد مع دمشق , بالإضافة للواقع الميداني الذي كان يميل بوضوح لصالحها وإرهابيها , ونعتقد بعودتها إلى الاتفاق الروسي في فصل مشابه للنزول عن الشجرة في أغسطس/ 2013 , يبدو أنها اعتادت على التصعيد والحرد أملا منها بالحصول على بعض النجاحات .
يبدو أن الأخطاء الاستراتيجية للإدارة الأمريكية تحسم هزيمتها في سورية والمنطقة , وتكبّل الإدارة القادمة في خطة تسعى لإظهارها في موقع العاقل , وانتهازها مناسبة لإلقاء اللوم على الرئيس أوباما وتحميله وإدارته تبعات السمعة والمظهر السيئين اللذان أوصلاها إلى درك من الانحطاط و جعلاها تضع بيضها في سلة الإرهاب التكفيري وتراهن على شراكة دول يحتقرها العالم ولن يتوان عن محاسبتها , كتركيا ونظام الكيان السعودي المدان رسميا وشعبيا في أمريكا و العالم.
فكما إنهار الاتحاد السوفيتي في عصر الرئيس الضعيف ميخائيل غورباتشوف , وخضع العالم إلى النظام الأحادي ..ها هي أمريكا تسقط في عهد الرئيس الأضعف في تاريخها , وعليها إقناع صقورها بالنظام العالمي الثنائي الجديد, قبيل انعقاد مؤتمر السلام العالمي في تايلاند في 7-10 فبراير/ شباط 2017 القادم .
فيما يؤمن السوريون "بحوار" الميدان وببنادق الجيش العربي السوري, وبثقتهم بقيادتهم الشجاعة والحكيمة, و بالحل العسكري حلا وحيدا أمام خديعة "الحل السياسي" الأممية المزيفة , وبالحل السياسي الحقيقي عبر حوار سوري – سوري في دمشق و دون تدخل خارجي , وباستبعاد كل من حملوا السلاح ضد الدولة والشعب السوري.. وهذا بحد ذاته يختزل انتصارها وحلفائها اللذين صدقوا ما عاهدوا عليه في المقاومة اللبنانية و دولة إيران الإسلامية و دولة روسيا العظمى
الازمنة











Discussion about this post