. – يصعب تخيّل استسهال ذهاب الطرفين الروسي والأميركي إلى إطاحة الاتفاق الذي استهلك منهما جهوداً تفاوضية، سياسية وعسكرية تفصيلية جدية، هي بالأصل محاولة لنقل الاحتمالات والفرضيات التي يمكن توقع حدوثها في حال الفشل بالتفاهم، لصياغة بدائل تعكس درجة القلق التي يختزنها كلّ طرف من هذه النتيجة. وهذا هو جوهر أيّ عملية تفاوضية، انطلاقاً من أنّ موازين القوى تحضر في المفاوضات في هذه الطريقة، بدرجة تشبّث كلّ طرف بطرحه إلى الحدّ الذي يهدّد بفشل المفاوضات فيبدي الطرف الأشدّ قلقاً من خطر الفشل مرونة تعيد الحياة للمفاوضات، بالمقارنة المستدامة التي يجريها كلّ طرف بين المعروض أمامه على طاولة التفاوض وما يبشره به الفشل كبدائل في الميدان. وهكذا تتقارب أو تتباعد الفرص لنجاح التفاوض، بمقدار تقارب أو تباعد القراءة المشتركة لمخاطر الفشل، وتهديدها في كلّ فقرة تفاوضية مصالح فريق أكثر من الأثمان التي يفترض به تسديدها عبر ما يُعرض في التفاوض وصياغات التفاهمات، وهذا يعني أنّ التوصل لأيّ تفاهم عبر المفاوضات، يعني تقارباً في تقدير الموازين وما سيترتب على الفشل، وكلما كان واضحاً أنّ التفاهم هو رجحان لكفة فريق فذلك يعني أنّ الفشل التفاوضي سيعني خسائر أكبر للفريق الآخر.
– في حالة التفاهم الروسي الأميركي يمكن القول، إنّ القلق الأميركي من خطورة الفشل والبدائل التي يبشر بها هي التي أدّت إلى الوصول للتفاهم الذي يعتبره الأميركيون وحلفاؤهم تنازلاً كبيراً، بما يتضمّنه من تسليم بالتخلص من القوة المحورية لكلّ رهان على حرب في سورية بوجه الجيش السوري وحلفائه، لا يمكن مواصلتها بدون جبهة النصرة، التي ينص التفاهم على الشراكة في الحرب عليها. وبالتالي فإنّ التعقيدات التي تنطلق في تطبيق التفاهم ليست تعبيراً عن وجود بدائل أفضل لدى من يعرقل التطبيق، وهو هنا الأميركي وحلفاؤه، بل تعبير عن مصاعب التطبيق، وحشد الحلفاء في تقبّل التنازلات، ومحاولة استخدام احتجاجاتهم لتحسين شروط التفاهم في سياق التطبيق، والسعي لابتزاز الشريك الروسي من قبل الأميركيين بالقول ساعدونا في جذب المعترضين عبر جوائز ترضية. وهذا جوهر ما يتضمّنه خطاب وزير الخارجية الأميركي جون كيري، الذي تحدث عن وقف عمليات الطيران السوري ليوم واحد، وذلك لتجميل التفاهم وتضمينه مكاسب تستعمل الوقت الضاغط للحصول على آخر فرصة لتحسين ما يمكن تحسينه من آليات التطبيق إنْ لم يكن ممكناً تحسين شروط التفاهم نفسه.
– في لعبة التجاذب هذه يتجه الحلف الذي يضمّ سورية وروسيا وإيران والمقاومة إلى استحضار المخاطر التي كانت كامنة تحت الطاولة كفرضيات وتظهيرها لتصير فوق الطاولة، فتشتدّ المعارك في شرق حلب، وتحمل فرضيات وقوع مفاجآت يصعب التراجع عنها، كفرضية دخول الجيش السوري إلى بعض الأحياء الشرقية، وفي قلب هذه اللعبة الخطرة لا شيء مستبعَدٌ قد يؤدّي لتغيير قواعد التفاوض نفسها، كما جرى عشية قمة العشرين في الصين عندما كانت نصوص التفاهم منجزة، ودخل الجيش السوري إلى الراموسة وسيطر على المعبر الذي كان بيد تشكيلات المعارضة وجبهة النصرة قبيل إنجاز التفاهم، ليعود التفاوض مجدداً من نقطة جديدة ويستغرق أسبوعاً إضافياً قبل أن يبصر النور وفقاً للتوازنات الجديدة.
– أسبوع حاسم سيكون أمام جبهتي نيويورك وشرق حلب في سباق محموم ليصل التطور في إحداهما إلى التحكم بالأخرى، إما تطور حاسم في نيويورك يستبق خطر تطور لا يُراد له أن يقع في شرق حلب ويعرف أحد المفاوضين في نيويورك درجة خطورة وقوعه عليه، أو تطور في شرق حلب يستبق ويحكم مساراً تفاوضياً جديداً في نيويورك ليختتم قبل نهاية الأسبوع المتبقي لأعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك بنهاية التفاوض على تفاهم في تفاهم أو نهاية التفاهم نفسه ولو مؤقتاً.
– كل شيء يقول إننا ذاهبون إلى تفاهم يصيغه الميدان بالنار في شرق حلب ليكتبه المفاوضون بالحبر في نيويورك.











Discussion about this post