جرابلس والذرائع التركيّة

فجر الأربعاء، بدأت قوّات تركيّة خاصّة عمليّة غزو لمدينة جرابلس السّوريّة، دعماً لـ «جماعاتها» المسلّحة، وبغطاءٍ من «التّحالف الدّولي» بقيادة الولايات المتّحدة في سوريا، في انتهاكٍ واضحٍ للسّيادة السّوريّة عبّرت عنه دمشق عبر وزارة خارجيّتها.
عبَرت دبّاباتٌ تركيّة الحدود التركيّة ـ السّوريّة وصولاً إلى جرابلس، وسط تصريحاتٍ تركيّة اتّفقت جميعها على أنّ الهدف هو «القضاء على تنظيم داعش وحزب الاتّحاد الدّيموقراطي الكردي».
كيف يُبرّر الأتراك أهمّيّة المدينة بالنّسبة إليهم؟
ولكن لمَ جرابلس؟ ما هي أهميّة المدينة من وجهة النّظر التّركيّة؟ ولمَ اختار الرّئيس التّركي رجب طيّب أردوغان تسمية «درع الفرات» على عمليّة الغزو؟
تقع جرابلس، أو كركميش التّاريخيّة وهي عاصمة الحثّيّين الشّهيرة، غرب نهر الفرات في شمال شرق حلب، وهي تبعد عنها حوالي 126 كيلومتراً. قُبيل اندلاع الحرب السّوريّة في العام 2011، كان عدد سكّان جرابلس حوالي 25 ألف نسمة. إلا أنّ الحرب والمعارك الدّائرة في المدينة ومحيطها جعلت من الصّعب معرفة العدد الحاليّ ممّن تبقّى فيها، وذلك نتيجةً لنزوح عددٍ كبيرٍ من سكّانها إلى الخارج، ونزوح آخرين إليها.
قبيل خروجها عن سيطرة الحكومة السّوريّة وسط العام 2012، كانت جرابلس بوّابة حدوديّةً رسميّة مع تركيا. وقُبيل إعلان ما يُسمّى بـ«المعارضة السّوريّة المسلّحة»، المدعومة من أنقرة، السّيطرة عليها أمس، كانت جرابلس آخر المدن السّوريّة على الحدود مع تركيا الّتي يُسيطر عليها «داعش». وقد استخدمت تركيا تلك السّيطرة ذريعةً قويّةً لإضفاء الشّرعيّة على الغزو انطلاقاً من الحديث عن أنّ «داعش» يستخدم جرابلس لإطلاق الهجمات على الأراضي التّركيّة.
وقد شكّلت جرابلس ملاذاً آمناً لعناصر التّنظيم بُعيد خروجهم من مدينة منبج الّتي سيطرت عليها «قوّات سوريا الدّيموقراطيّة» منذ أقلّ من أسبوعين. واستطاع التّنظيم نقل المئات من مقاتليه إلى جرابلس من منبج، الواقعة على بعد حوالي 30 كيلومتراً جنوب المدينة.
سيطرة «قوّات سوريا الدّيموقراطيّة» على شرق نهر الفرات، وتوسيعها السّيطرة شمال مدينة منبج، جعلت الأتراك يتذرعون بذلك للحديث عن إمكانيّة زحف الأكراد إلى جرابلس ونزعها من يد «داعش»، خصوصاً أنّ الأكراد وسّعوا سيطرتهم شمال منبج حتّى مسافة 16 كيلومتراً جنوب جرابلس. وخوف أنقرة، كما يقول الأتراك، يكمن في إطار المسعى الكردي ربط منطقتين كرديتين هما عين العرب «كوباني» شرق نهر الفرات وعفرين إلى الشمال من حلب.
عبور الأكراد نهر غرب الفرات، أزكى الشّرارة التّركيّة. بالنّسبة للأتراك، مكوث الأكراد في القسم الغربيّ من النّهر يُعدّ انتهاكاً لما سبق وحذّرت منه أنقرة. وكانت الحكومة التّركيّة قد طلبت من «التّحالف الدّوليّ» ضمان عودة الأكراد إلى شرق الفرات، الّذي يُسيطر عليه الأكراد، بعد تحرير منبج من «داعش». وهذا ما دفع نائب الرّئيس الأميركيّ جو بايدن، الّذي يزور أنقرة حاليّاً، إلى التّأكيد أمس أنّ واشنطن طلبت من الأكراد «عدم العبور إلى غرب الفرات حيث تقع جرابلس»، مضيفاً «قلنا بوضوح، إنّ على هذه القوّات (الأكراد) أن تعبر مجدّداً النّهر» إلى القسم الشّرقيّ منه.
إذاً، ترتبط تسمية عمليّة الغزو «درع الفرات» بأهمّيّة النّهر نفسه في العمليّات العسكريّة، بالنّسبة للأتراك والأكراد على حدٍّ سواء. فهو، بالنّسبة للاثنين، خطوطٌ حمراء، و «كسرٌ» لتلك الخطوط.
وتضمّ عمليّة «درع الفرات» عدداً من الفصائل السّوريّة المسلّحة المدعومة من أنقرة على رأسها «الجبهة الشّاميّة»، و «حركة نور الدّين الزّنكي»، و «فيلق الشّام»، و «جيش التّحرير»، و «صقور الجبل»، و «السّلطان مراد»، و «اللّواء 51».
الغزو التّركي لجرابلس السّوريّة، في تحدٍّ للسّيادة السّوريّة، حظي بتمهيدٍ عبر لسان المسؤولين الأتراك، إذ أعرب وزير الخارجيّة التّركي مولود جاويش أوغلو، أمس الأوّل، عن عزم بلاده تقديم «كلّ أشكال الدّعم» للعمليّة. أمّا نائب رئيس الوزراء التركي نعمان قورتولموش، فأكّد، أمس الأوّل، أنّ «تركيا لا يمكن أن تقبل سيطرة حزب الاتّحاد الديّموقراطي الكردي» في سوريا المرتبط بحزب العمّال الكردستانيّ في تركيا على الحدود السّورية»، مشدّداً على أنّ بلاده «لا يُمكن أن تقف مكتوفة الأيدي تجاه التّطوّرات التي تعني المرحلة النّهائيّة لإلغاء وحدة التّراب السوري وتشكيل دولتين وثلاث دول في سوريا».
ومن غير المستبعد أن تشمل ذريعة الغزو التّركي في سوريا تفجير غازي عنتاب في تركيا، والّذي راح ضحيّته 54 شخصاً، وحمّل مسؤولون أتراك مسؤوليّته إلى «داعش» الّذي لم يتبنّ، حتّى اللّحظة، هذا التّفجير.
(«موقع السّفير»، «سي أن أن»)

Related Posts

Next Post

Discussion about this post

آخر ما نشرنا