في ليلة 15 تموز بدأ الانقلاب ضد أردوغان من قبل مجموعات غولانية في عدد من وحدات الجيش التركي، لكنه سرعان ما تحوّل في 16 تموز إلى انقلاب إردوغاني مضاد أطاح ليس فقط بكل مناصر أو مقرب أو متعاطف مع حركة «خدمة» وزعيمها المنفي طوعاً في بنسلفانيا، الداعية «الجدلي المشبوه» فتح الله غولان، من مؤسسات الدولة جميعها، بل أيضاً بكل فرد أو نظام أو تدبير كان لا يزال يقف عائقاً أمام سيطرة «السلطان» على مفاصل الحكم جميعها من ألفها إلى يائها.
لا يزال مبكراً الحكم على تداعيات الانقلاب، فهذه لا زالت في بداياتها الأولى، وستظل نتائج هذا الحدث التاريخي الخطير تتوالى فصولاً على المستوى الداخلي التركي والإقليمي والدولي إلى شهور بل سنوات طوال. أتناول هذا الحدث المفصلي في ثلاثة أجزاء: الجزء الأول البحث في تداعياته السياسية الداخلية، وفي الجزء الثاني إجراءات التطهير وتعزيز قوة أردوغان، على أن أتناول تداعياته الدولية في جزء ثالث آخر..jpg)
تغيّرت تركيا. الانقلاب «البركاني» المضاد بدّل من طبيعة الحكم والحياة السياسية والإدارة العامة والقطاع الخاص، وحتى العلاقات المجتمعية.
التغيّر في المشهد السياسي العام
في السياسة، تشهد تركيا اليوم مظاهر وحدة حزبية سياسية غير مسبوقة في تاريخها. فالتضامن الكبير لأحزاب المعارضة مع حكومة العدالة والتنمية AKP ضد الإنقلاب منذ بداياته، كسر حواجز التشكيك والخصومة اللذين طبعا سياسة تركيا ما قبل الانقلاب، وبدا وكأن الاستقطاب السياسي ـ الاجتماعي الحاد قد بهت وهجه. إن أحد أهم عوامل فشل الانقلاب ونجاح الانقلاب المضاد، هو مسارعة أردوغان وحكومته إلى الإعلان عن أن زعيم الانقلاب هو فتح الله غولن، وأن الانقلابيين لا يمثلون الجيش بل هم مجموعة متمردة تنقلب حتى على قيادة الجيش نفسها وتعتقل بعض أركانه. لقد أجاد أردوغان استغلال كره معظم الشعب التركي لغولن وشكوكه بامتداداته المخابراتية الدولية، لاسيما الأميركية والأوروبية (والاسرائيلية). لقد ساهمت الحملة المكثفة التي شنها أردوغان ضد غولن على امتداد أكثر من ثلاث سنوات و «شيطنته» وإسباغ صفات الخيانة والإرهاب والعمالة عليه وعلى أتباعه، في توحيد الأتراك ضد الانقلاب.
ومعروفة حساسية الشعب التركي لقوميته وتعصّبه ضدّ كل من يحاول النيل من قيمة تركيا وموقعها وتاريخها. ومعروف كذلك تشكيك الأتراك بنيات الولايات المتحدة بشكل خاص وأوروبا والغرب بشكل عام ضد تركيا. وفوق هذا كله، معروف «كره» الأتراك لإسرائيل وعدم ثقتهم البتة بالكيان الصهيوني وبكل حكامه وحكوماته. وهم وإن كانوا يقبلون تحالفهم في إطار «الناتو»، ويتفهمون محاولات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي (الذي لن يحصل)، و «يبلعون ولا يهضمون» اتفاقات تركيا المرحلية مع إسرائيل وتعاونهما في غير محطة وملف، غير أنهم يدركون أن هؤلاء جميعاً لا يريدون الخير لتركيا، بل على العكس تماماً، لا يريدون أبداً تركيا قوية.
فبمجرد إعلان الهوية «الغولانية» للانقلابيين، تحرّك العصب التركي، وتدفّق مئات الآلاف إلى الشوارع من مختلف الفئات والتوجهات السياسية تلبية لنداء من أردوغان مدته بضع ثوانٍ، فتصدوا لدبابات الانقلابيين ومروحياتهم ومقاتلاتهم. ثم لحق بعدها قادة الأحزاب بالشعب وتوالت الإدانات الحزبية السياسية ما عجّل في سقوط الانقلاب الذي لم يجد السند الشعبي والسياسي الذي توقعه الانقلابيون، معتمدين على إمكانية تكرار سيناريو الانقلابات العسكرية السابقة.
التغير في المشهد الحزبي
يبرز بشكل خاص «الوئام الدافئ» بين حزب العدالة والتنمية AKP وحزب الحركة القومية MHP، حيث يبلغ التقارب اليوم أوجه بحيث يبدو التكامل بينهما واقعاً ملموساً في الشارع التركي الذي يشهد يومياً في كل المدن الكبرى مظاهرات وتجمعات ليلية حتى الصباح دعماً للحكومة ورفضاً للانقلاب وللتدخل الخارجي. فبالإضافة إلى أن زعيم الحزب القومي دولت بهتشلي، كان أول السياسيين من خارج معسكر أردوغان الذين يدينون الانقلاب، وإضافة إلى الحضور اللافت لعناصر هذا الحزب ومناصريه في الشارع ليلة الانقلاب وتحركهم ضد العسكر المنقلبين، ساهمت الروايات التي يتداولها المجتمع التركي حول دور ضباط الجيش ذوي النزعة القومية بإحباط الانقلاب بتعزيز التقارب بين الحزبين ومناصريهما.
من هذه الروايات الدور الحاسم لقائد الجيش الأول (المتمركز في اسطنبول) الجنرال أوميت دوندار، المقرب من بهتشلي، الذي كان أول من أعلن أن الجيش لا علاقة له بالانقلاب وأن المتمردين هم مجموعة صغيرة جاري السيطرة عليها. فكان لتصريحه هذا الأثر الكبير في طمأنة الشعب الحائر والخائف في حينها، فاستمد القوة منه وأغرق الساحات والشوارع. وتتابع الرواية أن الجنرال دوندار بادر إلى الاتصال بأردوغان في معمعان الانقلاب ناصحاً إياه بتجنب الذهاب إلى أنقرة حيث الوضع لم يكن مستقراً بعد، وحثّه على القدوم إلى اسطنبول واضعاً إمكانات جيشه في حمايته… وهكذا كان، تتابع الرواية. ولعلّ الدليل على صحة هذه الرواية هو ترقية الجنرال دوندار في التشكيلات الأخيرة بعد الانقلاب وتعيينه في منصب نائب رئيس أركان الجيوش التركية.
يقول مناصرو حزب الحركة القومية MHP إن الخلاف مع أردوغان وحزبه منذ توليه السلطة كان محصوراً بملفين: تقرّبه من غولن وتقاسمهما مغانم السلطة سوياً منذ العام 2002 قبل تحولهما إلى ألد الأعداء؛ وملف المصالحة مع الأكراد و «التنازلات» التي قدمها أردوغان لهم، وهذا من أشد المحرّمات لدى القوميين الأتراك و «تابو» يحرّم كسره. اليوم وبعد أن أدرك أردوغان خطر غولن من جهة وسوء نيات القيادة السياسية والعسكرية للأكراد من جهة ثانية وبدأ بمحاربتهما بشراسة، أزيلت الخلافات مع أردوغان وحزبه وبات التقارب أمتن من أي وقت مضى، حسب التحليل القومي اليميني.
أما بالنسبة لحزب الشعب الجمهوري ( CHP اليساري العلماني)، فيؤخذ عليه تباطؤه في إدانة الانقلاب إلى حين اتضاح الصورة وبيان هوية المنقلبين. تاريخياً يعتبر حزب CHP حزب أتاتورك، وكان دائماً الواجهة السياسية لمعظم انقلابات الجيش السابقة باسم حماية العلمانية والحفاظ على سلامة الجمهورية. غير أن استدراك زعيمه كمال كليتشدار أوغلو للموقف وإدانته الانقلاب بشدة ومشاركته في بيان الأحزاب البرلمانية الأربعة الذي أكد تمسكه بالديموقراطية وبنتائج الانتخابات، مديناً الانقلاب ومن يقف وراءه، قد أعاده بسرعة إلى مشهد الوحدة الحزبية السياسية والانعكاس الشعبي له.
يبقى موقف حزب الشعوب الديمقراطي (HDP الكردي). لا يحمل الأكراد ذكرى طيبة لأي حكم عسكري مرّ على تركيا، وبصرف النظر عن القتال المستمر لحوالي أربعين عاماً بين الجيش ومنظمة حزب العمال الكردستاني، تعتبر العلاقة بين الجيش و «المجتمع السياسي» الكردي علاقة خصومة بنيوية. لم يعطِ أي حزب سياسي ما أعطاه أردوغان للأكراد، وحتى بعد أن فشلت محاولات التسوية واستؤنف القتال الشرس، يعرف الأكراد أنه لن يأتي حكم في تركيا يعترف حتى بوجودهم وبمحاولة إيجاد تسوية لمسألتهم مثل حكم أردوغان. لذلك رفض الأكراد الانقلاب وانضم حزب HDP لبيان الأحزاب ودان المحاولة الفاشلة.
طبعاً لم تبالغ القيادة السياسية الكردية بالإدانة، وهي التي كانت حتى ساعات قليلة قبل محاولة الانقلاب تدين الحرب الشرسة المستمرة على «الأكراد» في شرق البلاد حيث يعمل الجيش التركي هناك على تطهير المدن من عناصر العمال الكردستاني. واكتفى زعيم حزب الشعوب صلاح ديميرطاش بدعوة الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني، إلى استئناف الحوار بعد فشل الانقلاب معتبراً أن التمسك بالديموقراطية يتطلب التوقف عن محاربة الجيش للشعب، ليزيد لاحقاً «أن الوقوف بوجه الانقلاب لا يعني دعم أردوغان». وقد اعتبر بعض المحللين أن كلام ديميرطاش جاء تحت ضغط قيادة حزب العمال في جبال قنديل «ومن يقف وراءها» (أميركا، أوروبا، إسرائيل وإيران)، لكسر مظاهر الوحدة والإلتفاف حول الحكومة وأردوغان.
وهكذا عاد الشرخ التركي-الكردي للظهور بقوة، وتجلّى واضحاً باتصال أردوغان بزعيمي الحزبين المعارضين كمال كليتشدار أوغلو ودولت باهتشلي، شاكراً موقفهما الوطني من محاولة الإنقلاب؛ ثم بتوجيهه دعوة خطية لزعماء الأحزاب البرلمانية (الثلاثة فقط) للإجتماع به في القصر الرئاسي متجنباً كلياً الحزب الكردي. شكل هذا الاجتماع تطوراً كبيراً، إذ كانت المرة الأولى التي يزور فيها زعيم المعارضة كليتشدار أوغلو القصر الرئاسي الجديد، والمرة الأولى التي يصافح فيها أردوغان منذ توليه رئاسة الجمهورية (على الأقل).
إذن، وحّدت محاولة الانقلاب الشعب التركي وأوجدت حالة وطنية إلتفت حولها الأحزاب السياسية باستثناء الحزب الكردي. لا شك أن أردوغان سيستفيد من هذه الحالة الجامعة (النادرة في الحياة السياسية التركية الحديثة) ليمرّر ما تبقى من بنود على أجندته السياسية. وهو قد بدأها أصلاً صبيحة الانقلاب الفاشل إذ أصدر سلسلة من القوانين (أهمها قانون إعلان حالة الطوارئ العامة لمدة ثلاثة أشهر دعمه فيه بقوة الحزب القومي ولم يؤيده الحزب الجمهوري ورفضه الحزب الكردي)، والقرارات والأنظمة الهادفة إلى تطهير الدولة من أتباع غولن.
ولكن السؤال يبقى إلى أي مدى ستستمر حالة الوفاق هذه؟ وإذا كان الحزب القومي قد وجد في تماهيه مع حزب العدالة والتنمية نوعاً من الهروب من حالة الضعف والتشتت التي عصفت به منذ آخر انتخابات نيابية (تشرين الثاني 2015)، فجمع مناصريه مجدداً حول حالة قومية (الانقلاب وتداعياته) بالغ في إظهار خطورتها على الأمة التركية لكي يشد عصب القوميين حوله ويرص صفوفهم… فهل سيبقي دعمه لأردوغان في باقي عناصر أجندته لا سيما الخارجية منها؟
والتساؤل يبدو أكثر مشروعية في ما يخص الحزب الجمهوري الذي تناسى ـ تحت الضغط الشعبي الهائل باتجاه التوحد حول الشرعية التي يمثلها أردوغان ـ خلافاته العميقة معه وأظهر دعماً واسعاً في قرارات تطهير الجيش والإدارة والقضاء.
فإلى أي مدى يمكن أن يسير كليتشدار أوغلو خلف أردوغان؟ وما هي العتبة التي سيقف عندها دعمه له؟ لا شك أن أولى تلك العقبات هي تعديل الدستور لتحويل النظام إلى رئاسي، حلم أردوغان والبند الثابت في أجندته، وهو في الوقت عينه موضع معارضة حزب CHP الذي يدرك أن أردوغان سيستغل الحالة الشعبية المستجدة لطرح الموضوع وقطفه.
التغير في الحالة المجتمعية
أما في الحالة المجتمعية، فيعيش المجتمع التركي اليوم حالة من الوئام الكبير والتصالح مع النفس تحت شعارين كبيرين: الأمة التركية، والدين الإسلامي كهوية سياسية وطنية. والتجمعات اليومية التي تجمع المحافظين والمتدينين والعلمانيين والقوميين جنباً إلى جنب (باستثناء الأكراد) في مختلف المدن، والتي تتخذ طابع احتفالات نصر وأعياد، وتبدأ بتلاوة القرآن والأدعية الدينية ثم الأناشيد الوطنية والقومية وتستمر حتى آذان الفجر، تتوج حالة الوئام هذه وتشد من العصب التركي.
يعمل أردوغان وحكومته على إطالة أمد هذه الحالة وتعزيزها، فيعمد إلى إظهار الانتقادات الأجنبية لعملية التطهير بوصفها تدخلاً بشأن سيادي تركي، ويسمح بتسريب معلومات (تحليلات/ شائعات) حول أياد أجنبية تقف وراء الانقلاب الفاشل، ويصور معاداة الإعلام الغربي له ولحكومته على أنه عداء مبطن لتركيا الأمة والتاريخ. ولأجل هذا يعمل على استمرار هذه الحشود الشعبية في الساحات كتعبير عن التفاف الشعب حوله وتمسكهم بالديموقراطية التي يمثلها ورفضهم لانتقادات الغرب. ويتجلى حرص أردوغان وحكومته على هذه الحالة بإجراءات مختلفة منها دعوات يومية للتجمع والتظاهر، إلغاء كل رسوم المواصلات العامة وجعلها مجانية مفتوحة، زيادة أعداد مركبات النقل العام الموصلة إلى ساحات الاعتصام، قطع الطرقات وتبديل خطط السير، توفير مظاهر الحماية…
وفي السياق عينه، جاءت مبادرة أردوغان باسقاط حوالي 1800 دعوى قضائية كان قد رفعها ضد صحافيين ومحللين وسياسيين وناشطين بتهم الإهانة الشخصية والتحقير.
ولكن تبقى هذه الحالة الوفاقية ناقصة بغياب العنصر الكردي عنها المستبعد سياسياً واجتماعياً، وبصمت المكوّن العلوي الذي وإن كان من المعادين لغولن وحركته المشبوهة، إلا أنه أيضاً يتخوف من تداعيات الانقلاب الفاشل وما تبعه من إجراءات قد تؤدي إلى إضعاف الجيش التركي الذي يعتبره حامي الجمهورية وموحّد عناصرها.
(في الجزء الثاني «انقلاب الانقلاب»)












Discussion about this post