الإسلام دين عنف وقتل، المسلمون إرهابيون، المسلم هو من يجز الرقاب، ويقطع الرؤوس ويسفك الدماء، وهو من ينعم بسبي النساء، وينشر الفساد والدمار في الأرض، ولا مكان لهم في قلب أوروبا، بل وفي العالم أجمع. لا تنزعج عزيزي القارئ.. تلك هي الصور النمطية التي أرادوا أن يصدروها للعالم عن المسلمين العرب، وعن أنقى رسالة سماوية خالدة أرسلت للعالمين. ونتساءل: ماذا فعل المسلمون كي يتلقوا كل هذا الحقد؟

مع أعماق التاريخ بدأ استغلال وقهر العرب المسلمين من قبل الدول الاستعمارية، وتحت غطاء الحروب الصليبية، أذلوا العرب بمنتهى الوحشية والإجرام للاستيلاء على مقدراتهم وسرقة ثرواتهم، وكان لهم ما أرادوا، وتم السطو على خيراتهم ليؤسسوا هم حضارتهم، ومع الطمع والجشع لم يتم الاكتفاء بالثروة فقط، بل أرادوا الأرض بكل ثرواتها، فكانت الحركة الصهيونية العالمية لتجميع شتات يهود العالم على “أرض الميعاد”، وسرقة أرض فلسطين ومعها أرض الجولان، والتي أصبحت إسرائيلية باعتراف أميركا هذا الأسبوع، لقد سرقت أراضي العرب.
لكن، هل اكتفوا بذلك..؟ أبدا بقيت الجولة الأخيرة، وهي قتل المسلمين أنفسهم لأنفسهم، وتدمير ما تبقى من أراضيهم بعد الاستيلاء على نفطهم وتحصين دولة إسرائيل. فكما استغلت الديانة اليهودية ومن قبلها المسيحية، بات التكتيك لاستغلال الدين الإسلامي نفسه غطاء للعنف والقتل والتدمير والمصالح السياسية عندما ألصقوا به الشبق السياسي لبعض البشر في الحكم والسيطرة والاسترزاق.
منذ ستينيات القرن الماضي قامت المخابرات الأميركية والبريطانية بتكوين جماعة إسلامية لتقف ضد جمال عبدالناصر لإحباط حركات التحرر العربية، ووقف التمدد السوفيتي، والحد من انتشار الأيديولوجية الماركسية، كما دعمت وسلحت عن قرب الحركات المتطرفة ضد سوكارنو في إندونيسيا، والجماعة الإسلامية ضد ذي الفقار علي بوتو في باكستان، كما قامت بتأسيس تنظيمي طالبان والقاعدة من المتطرفين المحسوبين على الإسلام ليكونا أداة لإرهاب الاتحاد السوفيتي وخروجه من أفغانستان، ولك أن تتحسر وتبكي، فقد استغلت القوى الاستعمارية أنصارها من الديانة المسيحية واليهودية للحصول على المكاسب والثروة والأرض والتوسع وبناء الحضارات، بعكس أنصار تيارات “الإسلام السياسي” الذين استغلوا الضالة منهم في حرق أراضيهم، وتخريب دولهم، وتدمير حضارة بلادهم، وقتل وذبح ونحر ذويهم.
لكن كيف تم ذلك؟! لم يكن أبدا أن تمر أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، وانهيار برجي التجارة العالميين في أميركا بدون العقاب الرادع لكافة المسلمين، وإن تلاقت المصالح، لكن الانتقام كان الهدف، والبداية عندما زينت أميركا لصدام حسين غزو الكويت، وكانت سابقة تحدث للمرة الأولى في التاريخ الحديث، أن تحتل دولة مسلمة دولة جارة مسلمة، لتبدأ الفرقة وتتقطع الروابط وتتفكك العرى. ليس هذا فقط، فقد أوقعته في شرك الاحتراب والقتال ضد دولة جارة مسلمة وهي إيران، لتبدأ معها مرحلة حروب أبناء الدين الواحد بشقي طوائفه السنية والشيعية، لتنتهي هذه المرحلة بغزو أرضه وتدميرها ومن ثم قتله، ولم تكتفِ أميركا بذلك، بل قامت بإشعال الفتنة بين السنة والشيعة في العراق على مستوى نظام الحكم، وذلك لتأجيج أوار الفتنة ويعم الاقتتال الطائفي والمذهبي الذي أتى على الأخضر واليابس، ويمتد نفس الاقتتال المذهبي إلى سوريا واليمن وليبيا، وتعم الفوضى والدمار والخراب بلاد العرب المسلمين، وهو ما سعت إليه أميركا في خلق الأرض الخصبة للانقسامات.
على سياسة الأرض المحروقة، قامت أميركا بإنشاء الشركة العالمية للقتل والتدمير تحت مسمى تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) بتمويل من بعض العرب، ولاحظ معي إلصاق الدولة الإسلامية بالهمج الإرهابيين ليتحقق الهدف! فكما جمعت القوى الاستعمارية شتات اليهود في فلسطين، جمعت أيضا شتات كل المتطرفين في العالم، ممن يعتقدون أنهم يهبون لنصرة دينهم، ومن بعض الأصوليين الذين يفسرون القرآن الكريم بعيون الموتى.. تجمع هؤلاء جميعا على أرض العراق، وأعلن أبو بكر البغدادي نفسه خليفة على المسلمين كافة، ولاحظ أيضا كلمة (خليفة المسلمين) التي يحلو لبعض سماعها.
عن طريق هؤلاء الهمج شهد العالم أحط وأخس العمليات الإرهابية في هذا الزمان، وارتكبوا مذابح وحشية بربرية همجية، حصدت الأبرياء من البشر العزل، ونكلوا بنسائهم، وعاثوا في الأرض الفساد قتلا وسلبا ونهبا، شعارهم كل أراضي الكفار هي أرض للجهاد، وصدرت تلك الأعمال البربرية الصور المقيتة للإسلام، وأظهرت أتباعه همجا متخلفين، وكان هو المطلوب بالتمام والكمال، لتشويه الإسلام وتفريغه من سموه وإنسانيته، ونعت أتباعه بالوحوش الضارية، الذين يجب احتلال أراضيهم لترويضهم وتقويمهم وفرض الوصاية عليهم.
البحر من أمامكم والعدو من خلفكم فأين المفر؟ يتواصل الانتقام الرادع من المسلمين، بالتأكيد عند تدمير بلادهم وحرقها سيلجأ الكثير منهم للهجرة والفرار من الحروب إلى بلاد الأمان، كي يتنفسوا الحياة، وعندما مدت لهؤلاء المساكين يد العون كبشر، ظهرت لهم جماعات اليمين المتطرف، والمناوئة للمتطرفين المسلمين والرافضة للمهاجرين، ومع تزايد الشحن والغل، تمتد يد إرهابي غاشم، لتصفي أكثر من 50 مسلما أثناء تأدية صلاة الجمعة في مسجدي نيوزيلندا مع تصاعد تيار الكراهية والقنوط والانتقام من كل مسلم طبقا للصور النمطية التي صورته مخلوقا ضد الإنسانية والحياة.
إذن فقد أخذت أميركا بالثأر من قتلة 3900 أميركي في 11/9، وتقبلت العزاء ـ كما هو العرف في صعيد مصر ـ عندما خلقت تربة خصبة للإرهاب حتى ننسى فلسطين لتحيا إسرائيل، وعندما نجحت في تشويه الإسلام بأيدي أنصاره، ودمرت بلاد العرب بمعول أبنائه، ونجحت أيضا في إخافة العالم من المسلمين، لتكون الحجة والمبرر، لوضعهم جميعا في بيت الطاعة الأميركي.. إذن من قتل المسلمين في نيوزيلندا؟ هل نحن بسلوكنا؟ أم بعضنا برعونتهم؟ أم الدول الاستعمارية بجبروتها؟… فعلى من نطلق الرصاص؟!! ولكم الإجابة.
فوزي رمضان
صحفي مصري – الوطن العمانية










