ترجمة وتحرير- خالد فلحوط:
شهدت أمريكا اللاتينية خلال تاريخها تحولات جيوسياسية جذرية، ولعبت الولايات المتحدة دورها المعتاد في فرض الهيمنة وتأجيج الفتن وإشعال الحروب، وتمكنت من السيطرة على بعض الأنظمة، بينما واجهت صعوداً قوياً لأنظمة يسارية مناهضة لسياساتها.
وسعت روسيا والصين لإيجاد فرصة للدخول الإيجابي للقارة اللاتينية، ونجحتا في تحقيق حضور لافت ومؤثر في مسار السياسة الإقليمية والدولية، ولاسيما في فنزويلا التي تشهد أزمة سياسية واقتصادية حادة بعدما أعلنت واشنطن تأييدها لرئيس البرلمان ليقود جبهة معارضة مفترضة ضد الرئيس المنتخب نيكولاس مادورو، معتبرة أن فرص تنصيب غوايدو رئيساً لفنزويلا «جيدة» في تجاهل صارخ للقوانين الدولية، والحكومة الشرعية المنتخبة، ورافقت حملة واشنطن السياسية والإعلامية ضد مادورو وحكومته حزمة عقوبات اقتصادية وسياسية شديدة الوطأة على الاقتصاد الفنزويلي، بينما شكل وقوف الشعب الفنزويلي سداً منيعاً دفاعاً عن السيادة وحق تقرير المصير، وأفشل الخطط الإمبريالية.
وأضافت شحنات العتاد التي أرسلتها واشنطن لأدواتها في فنزويلا تحت مسمّى «مساعدات إنسانية» عاملاً آخر لإثبات فشل محاولة الانقلاب، وذلك بعد نقل هذه المساعدات على متن طائرة عسكرية أمريكية عن طريق كولومبيا، وصرّح المتحدث باسم الأمم المتحدة للصحفيين بأنه «يجب أن ينفصل العمل العسكري عن الأهداف السياسية والعسكرية».
في المقابل، وصلت المساعدات الإنسانية والمؤن التي أرسلتها الصين وكوبا وغيرهما من الدول إلى 900 طن من الأدوية والكساء والغذاء، ورفع الصليب الأحمر استعداداته وميزانيته إلى 18 مليون دولار، وتواصل الأمم المتحدة العمل مع حكومة فنزويلا الشرعية، بدعم من منظمة الصحة العالمية التي وصلت 9 مليونات دولار.
وكعادتها، تروج واشنطن لكذبة مفادها (عدم قبول) الرئيس مادورو «المساعدات»، والهدف شيطنة النظام الحاكم وكسب تأييد الغرب. يقول الخبير السياسي الفريد دي زاباس: إن ما يثير السخرية، هو التسبب بحدوث أزمة اقتصادية، ستقود لأزمة إنسانية».سببت العقوبات الأمريكية حرمان الشعب الفنزويلي من 30 مليون دولار يومياً، بفرض عقوبات على شركات النفط الوطنية، ستؤثر في الاقتصاد الفنزويلي كثيراً، إلى جانب مصادرة مليارات الدولارات الفنزويلية من الذهب المودعة في البنوك البريطانية.
وكانت واردات فنزويلا قد انخفضت من 60 مليار دولار عام 2013 إلى 12 ملياراً عام 2017. وبمراقبة عمليات الحساب المالية من خلال شبكة مكافحة الجرائم المالية التابعة لوزارة الخزانة الأمريكية، تفرض واشنطن على حلفائها الإمبرياليين عدم دفع ثمن الواردات الفنزويلية.
وبالرغم من كل التجييش الإعلامي والسياسي ضد فنزويلا، لا تحظى حملة واشنطن وخططها بتأييد دولي واسع، فلا يزال معظم العالم يؤيد حكومة مادورو الشرعية، بدءاً من إفريقيا حتى أوروبا، فرفضت كل من إيطاليا واليونان والنرويج وسلوفاكيا الانضمام لأمريكا. بينما أعلنت مجموعة دول الكاريبي – وهي منظمة تضم 15 دولة – في بيانها أن الشعب الفنزويلي هو من يقرر مصير بلاده، ومن الضروري الالتزام بمبادئ سيادة الدول وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
وأقامت واشنطن بالتعاون والتنسيق مع كندا مجموعة ليما، لدعم خططها العدوانية، واستقطاب أكبر عدد ممكن من الدول، وإذا كان هناك شيء واحد تمكن ملاحظته من الانقلاب الفاشل الذي تدعمه أمريكا في فنزويلا فهو الشعبية الكبيرة التي يحظى بها الرئيس مادورو وحكومته المنتخبة.
والسبب الرئيس لفشل الانقلاب هو تأييد الأغلبية العظمى من الشعب الفنزويلي للرئيس والحكومة، والسعي المتواصل للحفاظ على مكتسبات الثورة الفنزويلية البوليفارية بإعادة توجيه ثروات فنزويلا وتوظيفها بالشكل الأمثل باتجاه دعم البرامج الاجتماعية، والرعاية الصحية، والإسكان.
وبالرغم من المحاولات الأمريكية الإمبريالية لخنق الاقتصاد الفنزويلي، وتجويع الشعب، فإن فنزويلا لاتزال تحتل المرتبة الأولى في مؤشر التنمية البشرية، استناداً لبيانات 2017، وهي تتمتع بمعدل تنمية بشرية عالية.. ولعدم انسجام هذه البيانات والإحصاءات مع الخطط والبرامج الأمريكية الاستعمارية، سعت واشنطن للنيل من فنزويلا واستقرارها.
وفشلت كل المحاولات الأمريكية لتغيير النظام الفنزويلي المنتخب شعبياً، ولم تستطع تحالفاتها تقوية الدعم لتنفيذ التدخل العسكري، وتكمن السخرية في ملاحظة حسابات التواصل الاجتماعي للمسؤولين الغربيين، ولاسيما الأمريكيين المعبرين عن سعادتهم بتبادل الأدلة والمؤشرات على أن شعب فنزويلا وكل الشعوب المناهضة لسياسات واشنطن تكافح وتعاني تحت وطأة العقوبات والوحشية الأمريكية.
ويأتي جشع الولايات المتحدة وحلفائها الأطلسيين باستعمار الشعوب واستغلال ثرواتها الطبيعية، المتمثل بعدم السماح لفنزويلا بتأميم مواردها الطبيعية، وتحويل الأرباح والمكتسبات لتطوير ورفع مستوى الخدمات الاجتماعية بدلاً من تبديدها في جيوب وأرباح الشركات الأجنبية.
وظهر مفهوم «مسؤولية الحماية» كأحد المفاهيم التي دفعت بها واشنطن في حملاتها العدوانية بحق الدول، والذي تحاول تطبيقه في فنزويلا، كما حاولت قبل ذلك في هاييتي 2004، وفي ليبيا 2011، وقام السيناتور الأمريكي اليميني ماركو روبيو بربط ما جرى في ليبيا بما يجري في فنزويلا، من خلال تغريدات وتصريحات استفزازية.
ولا يمكن لدول مثل هاييتي وليبيا وسورية والعراق واليمن، وكل الدول التي تعرضت للغزو الأمريكي وللعقوبات غير الشرعية أن تؤيد أو تسمح بقيام سيناريو مماثل في فنزويلا.. ولا يمكن لأي كذبة تصدر عن مسؤول غربي وتترافق مع ذلك الحجم من التضليل الإعلامي أن تلغي الحقيقة الجلية بأن هذه الدول صمدت بصمود شعوبها. وتشكل الهزيمة الأمريكية في فنزويلا مسماراً آخر في نعش المشروع الأمريكي الاستعماري، فالدول المنتصرة بإرادة شعبية، وحققت مكاسب كبيرة، لا ترضى بتمرير مشاريع إمبريالية بحق بلادها أو حتى أن يكون الحكم فيها أدوات تابعة للخارج، لتبقى المسؤولية الدولية إنهاء الحروب وبناء حركة واتجاه يضمنان حرية الشعوب واستقرار الدول.
عن موقع «غلوبال ريسيرش»












