يقِـرّ تيم آندرسون بأنّ "الناس لم يعودوا يقرؤون بكثرة هذه الأيام". لذا كانت فكرتُه، في الكتاب، اللجوءَ إلى أسلوب تقـنية الـ"infographics"، مُبرِزًا شذراتٍ صوْريّة، من مواقعَ التواصل الاجتماعي، للإضاءة عـلى شواهـدَ تُجابِه "الحرب بالوكالة" التي يشنّها حلفُ شمال الأطلسي (الناتو) بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، منذ عام 2011 وحتى عام 2017، ضدّ "البلد الصغير المستضعَـف"، سوريا..jpg)
ويريد آندرسون، من خلال كتابه هـذا، منافسةَ موجة "التضليل الإعلاميّ الذي تتّسم به الوُجهة الغربية" في تغطيتها للحرب السوريّة، كما تغطيـتِها غيرَها من ساحات الأزمات في العالَم؛ ليصل بمادّته إلى القارئ الباحث عن الحقيقة، فيصيرَ الأخيرُ على بيّنة من "الأساطير البروباغاندية الغربية" الزائفة.
في إحدى شذرات الكتاب لمحة صوْريّة تظهِر العبارات "غير المنطقية" السائدة في الخطاب البروباغانديّ الغربيّ، الذي يحاول أن يغسل أدمغة الرأي العامّ العالمي بما يصبّ في مصلحة تحسين صورة المجرِم (الغَـرْب) وتقبيحِ صورة فاعل الخير (أيًّا كان).
ومن هذه العبارات: "القاعـدة وداعش يشكّلان خطرًا كبيرًا على الغرب". ويريد آندرسون لفت الانتباه إلى أنّ الولايات المتحدة – وحلفاءَها – يرمون إلى حرف وعي العالَم عن الحقيقة التي اعترفت بها وزيرة الخارجية الأميركية السابقة، هيلاري كلينتون، من أنّ هـذين التنظيمَين هما وليدا السعي الأميركيّ لمجابهة المدّ الشيوعيّ الآتي من الاتحاد السوفياتي (سابقًا). فالبُـنية الفكرية لدى هذين التنظيمين، هي تلك التي غـذّتها الولايات المتحدة، في ما مضى، ودعمت معتـنقيها "الجهاديّين"، ليكونوا رأس حربة صراع أميركا مع الاتحاد السوفياتيّ "الكافر". بالتالي، فإنّ حقيقة الأمر هي أنّ تنظيم "القاعـدة"، وبعده "داعش"، هما ليسا خطرًا على الغرب (لا سيّما الولايات المتحدة)، بل هما، فعليًّا، خطرٌ تسبّبت به الإدارة الأميركية ذاتُها، ونمّته، سابقًا وحاليًّا، واستثمرت في فساده على الأرض في منطقة الشرق الأوسط اليوم (سوريا تحديدًا).
كذلك؛ عبارة: "بوتين يرمي إلى الاستيلاء على العالَم". إذ تريد الولايات المتحدة – والإعلام الغربيّ – أن يصوِّر للعالَم أنّ الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، يسعى من خلال تدخّل قوّاته العسكريّة في سوريا بالتنسيق مع الحكومة السورية، أن يبسط هيمنة روسيا على منطقة غـرب آسيا من بوّابة الأزمة السورية. وبذلك، تمهّـد البروباغاندا الغربية لقبول الرأي العامّ العالمي بفكرة أنّ بوتين، الخصم الاستراتيجي للولايات المتحدة، فعلًا يسارع إلى اقتناص فرصة سانحة في سوريا، يعبُـر منها إلى تحقيق حُلُمه في مدّ سيطرة روسيا على أرجاء العالَم. فيما الواقع، الذي يريد آندرسون إيضاحَه، هو أن الاستخبارات الأميركية هي التي، واقعًا، درّبت وهيّأت لوجستيًّا عناصر "المعارضة السورية" (ومعها داعش وتنظيم "جبهة النصرة") لتعيث الفسادَ في أرض سوريا التي يدعم نظامُها الحاكمُ المقاومةَ الـرادعة للأجندة الأميركية الرامية إلى الاستيلاء على مقدّرات المنطقة العربية والشرق-أوسطيّة، كما على غيرها من أقطار العالَم.
ومن عبارات البروباغاندا الغربية؛ عبارة: "الناتو تـدخّلَ في أفغانستان لحماية حقوق النساء". يريد آندرسون أن يفضحَ الادّعاء الأميركي بالحرص على حقوق النساء في بلدٍ (أفغانستان) تسودُه "الذهنية الإسلامية المتشدّدة" التي تفرض على النساء الحجاب/النقاب (وهو النقيض لفكرة التحرّر التي يروّج لها الغرب الأميركيّ). وإنما كان تـدخّل "الناتو" في أفغانستان جزءًا من "مدّ استعماريّ" أميركيّ سَخّر العاملَ الدينيّ في ذلك البلد، ووجّهه، ليصيبَ به العدوَّ السوفياتي في مقتَـل. فما كانت دعوى أميركا تحريرَ النساء من "الذكورية" الإسلاميّة المتـشدّدة، إلّا غطاءً احتَمَتْ به الولايات المتحدة من تبعات معرفة الرأي العامّ حقيقةَ أجندتها الواقعية في تلك المنطقة من العالَم.
نموذج آخر من عبارات "الدعاية الغربية القذرة"؛ عبارة: "الأسد ديكتاتور ضارٍ يقتل شعبه". يريد آندرسون هنا تبيان أنّ ما يشاع إعلاميًّا، لدى الغرب، من أنّ الرئيس السوري بشار الأسد ينهال على شعبه بقصف طائرات قواته الجوية الأحياءَ المدنيّة؛ هو، في حقيقته، ردٌّ للقوات السورية على مصادر نيران المعارضة السورية (المدعومة أميركيًّا)، ونيران "النصرة" و"داعش". فالحراك الحربيّ الذي يشنّه الأسد، وفق آندرسون، هو حراك "مقاوم" يدرأ عن سوريا مكيدةَ الحرابة التي تـشنّها الجماعات المدعومة أميركيًّا، داخل سوريا، لتفتيت البلد الداعم للمقاومة العربية ضدّ المدّ الهيمنيّ الغربيّ في المنطقة.
أما عبارة: "إسرائيل هي الديمقراطية الوحيدة في المنطقة". ففيما أنّ الكيان الإسرائيلي (حليف أميركا والغرب) يحتضن، فعلًا، إطارًا ديمقراطيًّا في ساحته السياسية الداخلية؛ فإنّ الولايات المتحدة تبالِغ في إظهار وتلميع صورة إطار الحُكم هذا في كيان "إسرائيل"، حرفًا للأنظار عن دعمها للديكتاتوريّات العربية المجاورة التي دعمتها هي (الولايات المتحدة) لسنين طويلة، حتى تُـبقيَ قبضتَها على دفّة الأمور في البلدان العربية، بما يصبّ أخيرًا في خير المصالح الأميركية في المنطقة. فأبرز ديكتاتوريّي العالَم العربيّ (الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، والرئيس التونسيّ السابق زين العابدين بن علي، والرئيس الليبيّ السابق معمَّر القذّافي) هم "حلفاء" للولايات المتحدة، وقد دعمت استفرادَهم بالحُكم وطغيانَهم في البلاد، حتّى تبسط، من خلالهم، أجندتَها داخل تلك البلاد.
المصدر : الميادين











Discussion about this post