ما أشبه رئاسة ترامب للولايات المتحدة الأمريكية برئاسة ميخائيل غورباتشوف للاتحاد السوفييتي السابق. تشبيه قد لا يكون في محله، لكن المعطيات تتقاطع، فالأول أطلق وعوداً استعراضية أدت إلى انهيار الاتحاد السوفييتي سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، وخروج دول من الاتحاد الذي كان يشكل ذات يوم القطب الثاني في مواجهة أمريكا، والثاني يكاد يزجّ بلاده في نفس المأزق..jpg)
جذبت احتفالات تنصيب ترامب رئيساً في واشنطن مئات الآلاف من معسكرين متناقضين يجسدان انقساماً عميقاً في المجتمع الأمريكي، يرى أولهما في ترامب مخلّصاً من إرث باراك أوباما- أول رئيس من أصول أفريقية- ويرى ثانيهما فيه شعبوياً عنصرياً مدمراً لمبادئ الأمة، هذا الاحتقان انعكس في الشارع، إذ توشح المتظاهرون بالأسود، وكسروا زجاج البنوك والمحال التجارية الشهيرة التي تعتبر رمزاً للرأسمالية، وانتقلت لصدامات بين الشرطة والمتظاهرين الذين بدورهم رفعوا شعارات كتب عليها “لتقرع الحرية” و”هيا للكفاح”.
ويبدو أن ثورة حقيقية انطلقت في أمريكا، أو “ربيعاً أمريكياً” كان متوقّعاً حدوثه مع قدوم أوباما، لكنه تأخر لأن أوباما لم يتجاوز مبادئ الأمة الأمريكية، ولم يتخطَ الخطوط الحمراء، بعكس ترامب الذي كسر جميع التقاليد، وخرج عن المألوف في تناوله مواضيع كانت من المحرّمات يوماً ما في أمريكا.
إذاً التحديات التي سيواجهها ترامب متنوّعة، ويصعب التنبؤ بمستقبلها، وكيفية مواجهتها، لكن الأمر الذي لاشك فيه أن هناك صراعاً بدأت ملامحه تتشكّل، ومحوره اختلاف الثقافات في الولايات المتحدة الأمريكية.
غورباتشوف كان محسوباً على الليبراليين المحافظين، وحاول السير بالاتحاد السوفييتي السابق نحو الانفتاح البطيء، لكن تمّ خرقه وخرق المجتمع السوفييتي بسرعة مدهشة أدت لانهياره لأسباب عديدة أهمها فقدان تكنولوجيا المعلومات، والانغلاق شبه الكامل على التجارة العالمية.
في المقابل كانت أمريكا تنتهج سياسات ليبرالية، واستطاعت بهذه السياسات السيطرة على العالم ، مقابل انكفاء الآخرين، أما الآن فيبدو أن أمريكا تتجه نحو المجهول لا يعرف أحد ما هي النهاية، لأن دونالد ترامب يعتبر اقتصادياً قومياً، ما يعني أنه سيركّز على قضايا التجارة، والوظائف، والاقتصاد القومي، أي أنه سينكفئ داخلياً، ولعل مصطلح “أمريكا أولاً” هي إشارة واضحة إلى أن اهتمام ترامب المستقبلي سيتجه إلى الداخل أكثر من اهتمامه بالخارج لينهي زمن الفوضى، ومن دعموا التوجه الخارجي على حساب الشعب الأمريكي، بحسب خطاب التنصيب، بالإضافة إلى أنه لن يدعم المصانع الأجنبية، بل سيركّز على دعم الصناعات الوطنية، والتركيز على الطبقة الوسطى.
هذا الانكفاء له تبعات خطيرة قد تطيح بوحدة الولايات المتحدة الأمريكية، على غرار الاتحاد السوفييتي، ولكن من زاوية أخرى، ذلك أن هناك ولايات قد تطالب بالاستقلال عن النظام الفيدرالي مادامت الفكرة التي يدافع عنها ترامب هي تعزيز الاقتصاد الوطني، وهي نوايا موجودة سابقاً حين طالبت تكساس بالانفصال أثناء الحملات الانتخابية، لأن ترامب إذا سار في هذا الاتجاه فهو يعني أنه يعمل بعقلية الرأسمالي الذي يدير شركة اقتصادية عملاقة، وهذه سياسة محفوفة بالمخاطر إذا ما انهارت هذه الشركة، وبالتالي ليس من الضروري أن تنهار جميع الولايات نتيجة قرارات فاشلة، ولهذا فإن الانفصال هو الأفضل في هذه الحالة.
ولعل المظاهرات التي خرجت ضده في أمريكا ودول العالم ليست نتيجة تصريحات استعراضية أطلقها ترامب هنا وهناك، بل هي خوف العقائديين المحافظين في أمريكا وأوروبا من تراجع الدور الأمريكي، وترك العالم يصارع وحيداً بعدما ربط مصيره وأحلامه بالدولة العظمى، أي أن هناك ملامح نظام عالمي جديد، وملامح مرحلة لما بعد الحرب الباردة التي فرضتها إدارة أوباما، وقد تظهر دول كانت تراقب بعين المنتظر لما سيحمله التاريخ، وقد تصدق كلمات السيناتور الجمهوري جون ماكين بأن ترامب سيحارب كل طاحونة هواء يجدها، بدل التركيز على مهمات أهم منصب في العالم.
سنمار الاخباري – البعث











Discussion about this post