تستثمر الولايات المتحدة الأمريكية هذه الأيام، التقدّم "المُريح" للجيش العربي السوري في القطاع الحلبي، بعد أن سيطرت وحداته مؤخراً على مخيّم حندرات ومن ثم "مشفى الكندي"، هذا الاسم الذي لم يمحى من ذاكرة السوريين بعد تمكّن الميليشيات "المعتدلة" التي تدعمها واشنطن اليوم من السيطرة عليه، بعد سلسلة معارك "ملحمية" خاضتها الحامية العسكرية فيه، وانتهت باستشهاد معظم الحامية وأسر ماتبقى منها عام 2013، إضافةً إلى توغّل وحدات الجيش في أحياء حلب القديمة، ما دفع واشنطن لاستثمار التقدمات الأخيرة في "المجال الإنساني، حيث دق فجأة القلب الأمريكي "الطيّب" على المدنيين المتواجدين في تلك الأحياء، متناسيةً أن المؤسسة العسكرية السورية كانت قد أخبرت هؤلاء المدنيين بأن هناك أربعة معابر آمنة لهم وبإمكانهم الخروج منها باتجاه مناطق سيطرة الجيش ليتم تأمينهم بعيداً عن ميدان المعارك، وتناست أيضاً واشنطن، أن الجيش قد أكد مراراً وتكراراً أن الميليشيات الإرهابية المدعومة من الجانب الأمريكي قاموا بمنع هؤلاء من الخروج واستخدمتهم كـ"دروع بشرية" لصد تقدم الجيش في الأحياء التي تقع تحت سيطرتهم، لكن مهلاً، هناك أشياء أخرى قد تكون غابت عن ذهن البيت الأبيض ومجلس الأمن وهيئة الأمم المتحدة، وخاصة أمينها "القلق" دائماً السيد بان كي مون، لا بد أن نذكر فيها:
.jpg)
1- ماذا عن معركة الموصل التي تحشد لها واشنطن آلاف الجنود العراقيين والأمريكيين، حيث استقدمت مؤخراً 615 جندياً أمريكياً إضافياً لساحة القتال المقابلة لمدينة الموصل معقل تنظيم داعش الأساسية في العراق وعاصمة خلافته الثانية بعد الرقة، فهل تناست واشنطن أن في الموصل آلاف المدنيين العالقين بين أنياب التنظيم الإرهابي وأنهم "دروعه البشرية" الجاهزة للتصدي لأي محاولة لاقتحام المدينة بهم. كيف ستحرر واشنطن مدينة الموصل دون أن تخلّص هؤلاء المدنيين من قبضة داعش؟، فلم تُقدم طائراتها على رمي أي قصاصة ورقية تحذيرية للمدنيين ولم تفتح لهم أي معبر آمن باتجاه مناطق سيطرة الجيش العراقي بخلاف الجيش السوري الذي سعى وقبل 5 أيام تماماً من بدء عملياته العسكرية في حلب القديمة من إلقاء آلاف القصاصات الورقية التحذيرية للمدنيين التي دلّهم عبرها على معابر الخروج والمواقع التابعة للميليشيات الإرهابية التي يجب أن يبتعدوا عنها، فماذا ستفعل واشنطن إذاً في الموصل؟، فليسمح لنا البيت الأبيض بالإجابة بالنيابة عنه. ببساطة شديدة، هناك خيارين لا ثالت لهما:
أ- ستنفذ الطائرات الأمريكية ومعها سلاح المدفعية والصواريخ محرقة في المدينة وسيكون ضحيتها الأبرز هم المدنيين الذين عادةً ما تصفهم واشنطن (في سورية) بأن لا ذنب لهم، ومن ثم ستقوم القوات المقتحمة بالدخول إلى المدينة مشياً على الأقدام وستكون الجثث متناثرة في كل شبر منها، ولن تُعرف جثّة الداعشي من جثّة المدني حينها.
ب- سيكون الدخول على الطريقة الهولويودية التي استخدمتها القوات التركية في جرابلس ولا حقاً ستستخدمها في مدينة الباب شمال حلب، حيث ستدخل القوات بعد "معارك وهمية" مع عناصر التنظيم إلى المدينة خلال يوم أو يومين بالأكثر، ومن ثم ستقام الاحتفالات بالنصر العظيم وتُشرب نُخب الانتصار "العظيم" سبع ليالٍ، والمفارقة سيظهر المدنيين بعد تحرير مدينتهم لتقديم الشكر والولاء لسيّد البيت الأبيض الذي نفّذت قواته "العمليات النوعية" دون أن تخدش مدنيٌّ واحد على الأقل، وستصبح عملية تحرير الموصل بسمعتها العسكرية، شبيهة بمعركة "الفلوجة" التحريرية أيضاً، لذا من المتوقع أن تكون واشنطن تُهيّء فعلياً للسيناريو الثاني، عبر الدخول إلى الموصل بعد صفقة مع داعش شبيهة بصفقة "الفلوجة" و"جرابلس".. و"الباب" لاحقاً. وهو ما لا يستطيع الجيش السوري فعله في حلب، كونه لا تربطه أي "علاقة" أو "صفقات" مع الميليشيات المسيطة على الأحياء الشرقية.
2- لا نعرف حقيقةً إذا ما كانت واشنطن نست أو تناست أن ميليشيا "فتح الشام" ومعها "نور الدين الزنكي" التي تتحصن في حلب القديمة، هي من الجماعات الإرهابية على الأقل بحسب "قوائمها"، خاصة بعد انضمام مقاتلي "الزنكي" في أعقاب معركة "مخيم حندرات" التي سيطر عليه الجيش مؤخراً، قدموا ولائهم لـ"فتح الشام" واستقدموا دعم منهم لاسترجاع المخيم إلا أن محاولتهم باءت بالفشل، أضف إلى ذلك، تواجد مقاتلي "جيش الفتح" الذي يقوده الإرهابي السعودي "عبد الله المحيسني" في أحياء حلب القديمة، بعد دخولهم إلى القطاع في أعقاب معركة "الكلّيات" الشهيرة. وهنا لابد من تذكير السيد "بان كي مون" بأن ميليشيا "الزنكي" هي من ذبحت الطفل الفلسطيني "عبد الله عيسى" في مخيم حندرات، وقالت حينها أنه "أسير" تابع لمقاتلي "لواء القدس" الذي يقاتل إلى جانب الجيش السوري في حلب، وتبيّن لاحقاً أنّه طفل لا يتعدّى عمره الـ16 عاماً، وأنه خُطف من مشفى كان يتعالج فيها في إحدى الأحياء التي تسيطر عليها تلك الميليشيات، ولم نسمع حينها أي تعقيب أو "قلق" من السيد كي مون على تلك الجريمة البشعة، بل فقط تجرّأ وصرخ على قوافله "الإنسانية" التي أحرقت قبل أن يكشف ماكانت تخبّئ الأمم المتحدة للسوريين بداخلها، وأيضاً، من الجدير تذكير السيد أوباما ومعه أعضاء مجلس الأمن بالأحياء الحلبية التي يتم قصفها بشكل يومي من قبل "المعارضة المعتدلة" بالقذائف الصاروخية الثقيلة، والتي كان آخرها اليوم وسقط على إثرها 20 شهيداً من المدنيين. لم نسمع أي صراخ في البيت الأبيض أو مجلس الأمن على هؤلاء الشهداء، ولم نقرأ أي بيان فيه "قلق" للسيد كي مون .. فهل ابتُلعت الألسن فجأة من هول الجريمة ..
3- عندما توصلت السلطات السورية لوقف إطلاق نار في مدينة داريا وخيّرت المسلحين بين "البقاء في كنفها" أو الخروج إلى مدينة إدلب، اعترضت الأمم المتحدة وحاولت ما اساتطاعت وقف استكمال العملية التفاوضية لكنها فشلت، كما فشلت في اعتراض اتفاق "الوعر" في حمص، ونفّذت السلطات السورية الاتفاقين على مسؤوليتها وسارت الأمور على خير، حينها، لم توضح الأمم المتحدة بشكل منطقي اعتراضها على الاتفاقين، وعندما أُحرجت، وصفتهما بـ"التهجير القسري"، لكنها لم تخبرنا عن الاتفاقات السابقة التي سعت هي بهما ولم تسير حينها الأمور بخير كما خصل باتفاقي "داريا والوعر" ولا حقاً ستكون بالمناسبة "المعضمية وقدسيا والهامة" على طريق الاتفاق، فمثلاً، عند اتفاق مضايا والزبداني، أدخلت السلطات السورية كل ماورد في بنود الاتفاق إلى المدينتين، لكن بالمقابل، لم تدخل الأمم المتحدة إلى بلدتي "كفريا والفوعة" إلا قافلتين إنسانيتين تم سرقتها في مناطق سيطرة "جيش الفتح" قبل دخولها البلدتين، ومن ثم تكفلت سورية وحلفائها بإسقاط باقي المساعدات جواً، فمن يكون هنا يريد الخير لسورية، "النظام" الذي سعى لتحقيق شروط الاتفاقات أم الأمم المتحدة التي لم تنفذ أي من تعهداتها؟
4- منذ أسبوع تقريباً، عرض موقع قناة الميادين فيديو لأحد جنود الجيش السوري كانت الميليشيات "المعتدلة" في ريف دمشق قد اختطفته من منطقة "قطنا" غرب دمشق، وظهر بالفيديو التعذيب الذي تعرض له "الرقيب أول عمار شاويش" حتى غاب عن الوعي، فيما قالت مصادر خاصة أنه تمّت تصفيته لاحقاً لإخفاء الجريمة، هذا الجندي كان يخدم في إحدى "إدارات" الجيش السوري، أي أنه لا ينفذ أي مهمة قتالية، وتم اختطافه من مكان سكنه وتم تعذيبه حتى استشهد بين يدي هؤلاء المجرمين الذين تدافع عنهم الولايات المتحدة والأمم المتحدة في كل مناسبة، أيضاً هنا لم نسمع أي تعقيب على هذه الجريمة الإرهابية، لم يصدر أي بيان إدانة من الأمم المتحدة يتهم هؤلاء بارتكاب جريمة لم يذكر التاريخ مثيلها .. حتى بان كي مون لم "يقلق" بالرغم من أن الفيديو انتشر بصورة جنونية على مواقع التواصل الاجتماعي !!
في جعبتنا الكثير من القضايا التي من الممكن أن نذكر بها كل من يدّعي دفاعه عن الشعب السوري، لكن اخترنا ماهو أبرز وأحدث.
وبما أن الشيء بالشيء يُذكر، فماسبق يذكرنا ببعض المواقف التي تزامنت مع وفاة السفاح الإسرائيلي شمعون بيريز، عندما نشاهد مثلاً وزير الخارجية المصري وهو يبكي بحرقة على قاتل الفلسطينيين واللبنانيين والمصريين، بالوقت الذي استعرض "سامح شكري" في وقت سابق عضلاته على "مايكرفون" يتبع لقناة الجزيرة القطرية ورفض حينها التصريح وهو موجود أمامه، هي حالة تناقض مقرفة شبيهة بالتناقض الدولي تجاه الأزمة السورية "مع فرق الشبه" طبعاً، ويشبه أيضاً حزن الرئيس الفلسطيني محمود عباس في عزاء "بيريز" وكأن هذا السفاح لم يقتل الشعب الفلسطيني ولم تتلوث يداه بمئات الأطفال في القدس وغزة ورام الله، إنه منظر مُعيب ومقرف في الحقيقة .. كالذي نشاهده ونسمعه يومياً من قبل المجتمع الدولي و"الإنساني" حول سورية ..
شبكة عاجل – ماهر خليل











Discussion about this post