قـــالت الملكة إيليزابيث الثانية، في خطابٍ ألقته أمام البرلمان البريطاني المُعاد تشكيله (27/5/2015)، إنّ «حكومتها ستجري مفاوضات حولَ إعادة النظر في علاقات المملكة المتحدة مع الاتحاد الأوروبي وستسعى لإصلاح هذا الاتحاد بما يفيد جميع أعضائه»..jpg)
ديفيد كاميرون قال في تصـــريحٍ له، عقب فوز حزب المحافظين في الانتخابات الــــبرلمانية (أيّار 2015) إنّه «يعد بإجراء استفتاءٍ شعبيّ حولَ بقــــاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبيّ أو الخروج منه».
يومها لم يكن كاميرون مُضطراً لتقديمِ وعدٍ كهذا، ولم يكن مُضطراً لاحقاً للوفاء به، لكنّه أقدمَ على هذه الخطوة من نقــــطة ثقةٍ وموضع يقين. المُرجّح أنّه لم يتوقّع لخصمه نايجل فاراج، زعيم حزبِ «استقلال المملكة المتحدة» المناهض للاتحـــاد الأوروبيّ، نصراً سياسياً كالّذي أحرزه الأخير في الاستفتاء الّذي أجــــري بتاريخ 23/6/2016، والّـــذي صادقت نتيجته على خـــروج بريطــــانيا من الاتحاد الّذي بقي كيانه مؤلّفاً من 27 بلداً عضواً.
إن إجراء قراءةٍ تاريخية للأسباب الّتي دفعت المملكة المتحدة للانخراط في الاتحاد الأوروبيّ، ثمّ الانفصال عنه، تحتاجُ إلى فردِ ملفٍّ كامل، لكنّنا نستطيع أن نقول إنّ الموجبات الّتي قادت بريطانيا إلى تقديمِ طلباتِ انتسابٍ متلاحقة للسوق الأوروبيّة المشتركة، بدءاً من العام 1961 وصولاً إلى المصادقة على عضويتها في العام 1973، والتصويت على تلك العضوية العام 1975، كانت موجباتٍ اقتصادية أكثر منها سياسية. أمّا أسباب الخروج، فبعضها سياسيّ يتعلّق بتخوّف بريطانيا من سيطرة دول منطقة اليورو الـ (19) على شكل القرار وبوصلته ضمن الاتحاد، وبعضها يتعلّق برغبة طيفٍ واسعٍ من المجتمع البريطانيّ بغلقِ باب الهجرة الّذي أبقته قوانين الاتّحاد مفتوحاً بصورةٍ أدّت إلى إرهاق الميزانيّة العامّة بأعباء ماديةٍ كثيرة، تخصّ قطّاع الخدمات كالتعليم والصحّة والتوظيف. باختصار: بريطانيا أرادت الاستفادة من المزايا الاقتصادية التي توفّرها السوق الأوروبية المشتركة، من دون أن تكون عضواً حقيقياً في الاتحاد (المملكة المتحدة لم تصادق على نظامٍ موحّد لتأشيرات الدخول «شينغن»، ورفضت التعامل بالعملة الأوروبية الموحّدة «يورو» وظلّ التداول النقديّ في البلاد والمبادلات التجارية معتمداً على العملية المحليّة «الجينيه الإسترليني»).
في التداعيات، ستخسر بريطانياً وزناً سياسياً مهماً بالتّأكيد. علاقتها بالولايات المتحدة الأميركية لن تكون على ما يرام. البـــيت الأبيض لن يكونَ راضياً عن فقدانِ ذراعٍ ضاربةٍ له في الكــيانِ الأوروبيّ.
شــــيئاً فشيئاً، سيفقد مواطنــــو المملكة المتحدة جزءاً يسيراً من المزايا الّتي حصلوا عليها تحتَ المظلّة الأوروبية، لكنّ بلادهم ستــــتخلّص من أعباء وضغوطٍ فُرضت عليها بحجّة قوانين الاتحاد.
نستطيع أن نســــتعمل الموجز السابق لقولِ التّالي: إنّ بريطانيا كانت جُزءاً من كيــــانٍ اتحاديّ حقيقيّ يشكّل نواةً لحلم «الأمّة الأوروبية»، ولكنـــّها آثرت الخروج من عباءة هذا الاتحاد برغم كلّ ما قد ينتج عن هذا الخروجِ من انعكاساتٍ سلبية.
قياســـاً بما سبق، يحقّ لنا أن نسأل: ما الّذي يمنع سوريا من التخلّي عن شعار «أمّة عربية واحدة»؟
لم تنجح البلاد العربية، باستثناءِ سوريا ومصر 1958، في تشكيلِ كيانات وحــــدوية تمهّد لاتحاداتٍ تُفضي، في محصّلتها، لتشكيلِ «أمّة عربيّة» بالمعنى الحقيقيّ، وغير الشعاراتي، للمصطلح.
نظرياً، وبعيداً عن التعريف التقليدي الذي راج في النصف الأول من القرن العشرين، لا يمتلكُ العالمُ العربيّ مقوّمات الأمّة. اللغة الواحدة كانت في الغالب ذرّاً للرماد في عيونِ خصومِ الأفكار البعثيّة والــــناصريّة (أن نعتبرَ اللغة المشتركة عاملاً كافياً للانطــــلاقِ بمشروعٍ وحدويّ عربيّ، فهذا يمنح إسبانيا، مثلاً، حقّ المطالبةِ بضمّ الأرجنتين والمكســــيك وتشيلي وغيرها من دولِ الأميـــركيتين إلى كيانٍ مُخترعٍ يُدعى «الأمة الإسبانية»).
الحديث عن وحــــدةِ المصالحِ ووحدة المصير يبدو أقربَ إلى طرفةٍ سمجةٍ إذا قيسَ بأحـــوال البلادِ الناطقةِ بالعربية في خضمّ أزمات المنطقة وبُعيدها.
العالمُ العربيّ منقسمٌ اليوم إلى ثلاثةِ محاور:
محورٌ صحراويّ جغرافياً، يلتفّ حولَ المملكة العربية السعودية سياسياً.
محور سوريا الكبرى جغرافياً (تستثنى منه الكويت)، يلتفّ حولَ دمشق سياسياً.
ومحورٌ ثالثٌ للمغاربة الّذين ينأون بأنفسهم سياسياً عن صراعاتِ الإقليم (باستثناء الجزائر الّتي تُظهر انفتاحاً صريحاً على سوريا، برغمَ كلّ ما قد يترتّب على ذلك من ضرائب ومساءلات خليجية).
الحديث عن كياناتٍ وحدوية جزئية في كلّ محورٍ من المحــــاورِ السابقة، يبدو أقربَ إلى مفرداتِ العقل والمنطق من الحديث عن أمــــّة عربيّة واحدة. حلمُ الأمّة العربية يصير وارداً في حــــالِ أرادت حكومات بلادِ الحرب، سوريا مثلاً، أن تتــعامى عن دم مواطنيها الّذي أُريــــق برصاصٍ عربيّ ومالٍ خليــــجيّ، وأن تُصادقِ، أي الدولة السورية، وغيرها، على نظــــامِ حكمٍ إسلاميّ صرف يوازي ويحاكي فقه السعودية في «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر».
مقدّمة الدّستور السوريّ تُشير إلى أنّ «الجمهورية العربية السورية تعتزّ بانتمائها العربيّ وبكون شعبها جزءاً لا يتجزّأ من الأمّة العربية». حسناً، في الميدان اليوم مقاتلون سوريّون كثر، قاتلوا إلى جانب الدولة السورية وليس لديهم بصيصُ انتماءٍ للأمّة العربية. بعـــضُ هؤلاء لا يؤمن بهذه الأمّة أصلاً، ويعتبرُ العروبة المبنيّة على هذا الأساس «عروبة وهمية» (مقاتلو «الحزب السوريّ القومي الاجتماعي» مثلاً). حينَ تكتـــبُ مسودة الدستور مجدداً، فلا بدّ لمقدّمتها أن تأخذ تضــحياتِ السوريّين من مناهضي فكرة «الأمّة العربية» في عين الاعتبار.
ماذا في البدائل؟
يُدرك الجميع أن سوريا اكتسبت وزنها السّياسيّ، قبلَ اختلالاتِ الحربِ وهزّاتها، من خلالِ مواقفها العروبيّة الخالصة. مناصرتها للقضية الفلسطينية، ومدّ يدِ العونِ لكلّ أشكالِ المقاومات في الأرضِ المحتلّة، بما فيها «المقاومة الإسلامية»، ومناهضة الاحتلال الأميركيّ للعراقِ حتّى الانسحابِ الكامل في كانون الأوّل 2011، والوقوفُ العلنيّ إلى جانبِ «حزبِ الله» والجيش اللبنانيّ في حرب تمّوز 2006. دور سوريا في هذه القضايا، وقبلها الكثير من الإشكالاتِ الساخنة الّتي مرّت بها المنطقة قبل العام 2000، منحت دمشقَ ثقلاً سياسياً لا يُمكن تجاهله إقليمياً ودولياً.
لا تُريد سوريا، ولا يُمكن لها، أن تتحوّل إلى صفرٍ على يسارِ اللعب السياسيّ. البعضُ قد يستغلّ ذلك للحديث عن ضرورة التمترس خلفَ شمّاعة «الأمّة العربية» وإن بصورةٍ نظريّة.
واقعُ الحال يشير إلى ولادةِ حلفٍ، تشكّل قسراً بفعل معطياتِ الحرب، يجمع كلّاً من دمشق وطهران وبغداد إضـــافةً إلى ذراع «حزب الله» اللبنانيّ. هناك ملاحظاتٍ كثيرة يُمكن أن تُسجّل حولَ مواقف بعضِ مُشكّلات هذا الحلف من القضية الفلسطينية، هذه الملاحظات تبدو أصغر من أن تُذكر إذا قيست بمواقف خصومِ هذا الحلف حيالَ القضيّة إياها.
اســـتراحات ما بعدَ الحرب قد تدفع دمشقَ نحو اصطفافٍ سياسيّ جــــديد تُحافظ من خلاله على وزنها السياسيّ إقليمياً، من دون أن يكـــونَ هناكَ مبرّر لإقحام مفردة «العربية» في الاصطـــلاح الّذي يجـــب أن يعبــّر عن هوية البلاد وشكـــل الحـــكم فيها، نتحدّث هنا عن «الجمهورية السورية».
السفير











Discussion about this post