في شهر أيّار الماضي فاز بوريس جونسون بجائزة قدرُها ألف جنيه إسترليني. استطاع بوريس، كما يناديه البريطانيّون، التّفوق على عشرات القصائد المؤلّفة من خمسة أبيات وموضوعها «التهكم على الرئيس التركي رجب طيّب إردوغان». تمحورت قصيدة بوريس، المُرتجلة خلال لقاءٍ مع مجلّةٍ أسبوعيّة سويسريّة، حول ممارسة الرّئيس التّركي للجنس مع عنزة.
اليوم، أصبح هذا الرّجل وزيراً لخارجيّة بريطانيا..jpg)
في تلك الفترة كان بوريس، عمدة لندن السّابق، يعمل بشراسة على حملة خروج بريطانيا من الاتّحاد الأوروبيّ. كان يطمح لخلافة الرّئيس البريطاني المستقيل ديفيد كاميرون، إلا أنّه سرعان ما اعترف أنّه «نظراً إلى ظروف البرلمان، توصّلتُ إلى أنّ هذا الشّخص (رئيس الوزراء) لا يُمكن أن يكون أنا».
أحدث قرار رئيسة الوزراء البريطانيّة الجديدة تيريزا ماي تعيين بوريس جونسون في منصب وزير الخارجيّة موجة استهجان واسعة. «طريقته الّتي يعلمها الجميع» تُقلق الفرنسيّين. جاء ذلك على لسان وزير الخارجيّة الفرنسيّ جان مارك آيرولت الّذي أكّد حاجة باريس إلى «شريكٍ يتمتع بمصداقيّةٍ ويُمكن الوثوق به».
هذا الخوف قوبل بردود فعلٍ مستهزئة. عندما سمع المتحدّث باسم وزارة الخارجية الأميركيّة مارك تونر نبأ تعيين بوريس في منصب وزير الخارجيّة على الهواء مباشرةً، كبت ضحكةً بصعوبة. قبل أن يعلن أنّ «الولايات المتّحدة تتطلّع للعمل مع من يتولّى الحقيبة كائناً من كان». ردّةُ الفعل المستهزئة استُكملت عبر عضو «حزب العمّال البريطانيّ» أنجيلا إيجل. بينما كانت الأخيرة تُلقي كلمةً تستعرضُ فيها الوضع الكارثيّ الّذي كان ليحلّ لو أصبح بوريس رئيساً للوزراء، تلقّت نبأ تعيينه في منصب وزير الخارجيّة، فما كان منها إلا أن بدأت بالصّراخ والضّحك.
المستشارة الألمانيّة أنجيلا ميركل حاولت إظهار موقفٍ متوازنٍ من خبر تعيين بوريس المفاجئ، إذ أكّدت ضرورة التّعاون «مع الحكومات الحليفة»، معتبرةً أنّ «العالم لديه ما يكفي من المشاكل»، ومتعهّدةً «الاستمرار في التّعاون مع بريطانيا كما قمنا على الدّوام».
للصّحف البريطانيّة دورٌ في التّعليق على خبر تسلم بوريس لـ «وزارة الديبلوماسيّة». فكتبت صحيفة «دايلي ميل»: «بوريس يعود»، بينما كتبت «ديلي ميرور»، أسفل صورةٍ شهيرةٍ لبوريس وقد حشر نفسه في سيّارة «أنا آسف».
أمّا الصّحف الألمانيّة فقابلت تعيين بوريس بسخرية، إذ عنونت صحيفة «سودويتشه تسايتونغ»، التي تمثّل اليسار الوسط، على موقعها الإلكترونيّ: «جونسون وزيرا للخارجية؟ إنها السخرية البريطانيّة».
على الرّغم من حالة الاستهجان والسّخرية الّتي رافقت تعيينه في المنصب الجديد، إلا أنّ الرّجل حصد بعض المواقف المؤيّدة، خصوصاً من المعسكر المؤيّد لخروج بريطانيا من الاتّحاد.
لا يُمكن التّغاضي عن الصّدمة الكبيرة الّتي أحدثها قرار ماي بتعيين بوريس لهذا المنصب. «الدّيبلوماسيّة» هي أبعدُ الصّفات عن الرّجل، تلك الصّفة الّتي يُفتَرَض بشاغل المنصب أن يتمتّع، بدرجةٍ عاليةٍ، بها، إلا أنّ بوريس لا يزال فاشلاً في «التّفاعل الحضاري».
«مهووس» بالإرهاب والمسلمين
يقع جونسون، في خانة اليمينيين الصّاعدين، كالمرشح الجمهوري للانتخابات الأميركيّة دونالد ترامب وزعيمة «الجبهة القومية» اليمينيّة الفرنسيّة مارين لوبان، حتّى أنّ المسؤول الكبير في الاتحاد الأوروبّي مارتن زيلماير وّجه انتقادات لاذعة إلى الثلاثي اليميني باسم مكافحة «الشعبوية»، واصفاً احتمال وصولهم إلى السلطة بـ «سيناريو رعب».
جونسون، الأسبق من بين هؤلاء في الوصول إلى السلطة، لا يختلف عن ترامب في الشخصية المرتبكة، فالتناقض والصراحة في آن، وتداخل قضيتي الإرهاب والمهاجرين في السياسة الداخلية، فضلاً عن مواقفه الخارجية، من سوريا إلى العراق وصولاً إلى علاقته بإسرائيل، جميعها ترمز إلى أنّ ملامح جونسون، القادم أيضاً من ساحة الإعلام، تشبه ملامح ترامب، فضلاً عن الشعر الأشقر.
في سوريا، يبدو هاجس بوريس «الفضفاض» من تنامي ظاهرة الإرهاب وارتداداتها على بلاده، فقد حذّر في حزيران العام 2013 من تسليح الجماعات المسلحة هناك، واصفاً إياهم بـ «المهووسين»، وحذر ديفيد كاميرون في حينه، أن على بريطانيا ألا تستخدم سوريا «كمسرح لاستعراض العضلات».
ويعتبر جونسون أنّ التسليح سيكون «كارثياً»، على أنّ «أي قطعة سلاح يتم إرسالها قد تنتهي بأيدي عناصر القاعدة».
ما الحل الذي يطرحه؟ «إنهاء الجنون»، بحسب ما دعا في إحدى المقالات التي كتبها في صحيفة «ديلي تليغراف» البريطانية، معتبراً أنّ الوقت قد حان أن يجتمع اللاعبون الكبار «ويعقدوا مؤتمراً في ما بينهم لمحاولة وقف العنف»، مؤكداً «لن نحصل على وقف لإطلاق النار بوضع الأسلحة بين أيدي مهووسين».
وكما في سوريا، بدت في العراق رغبة جونسون في القضاء على تنظيم «داعش»، فقد دعا في آب العام 2014، بحسب صحيفة «إكسبرس» البريطانية، بلاده إلى «التحرك» في العراق، والمشاركة في «التحالف الدولي» الذي تقوده الولايات المتحدة ضد التنظيم المتطرف. وانضم جونسون في دعوته تلك، إلى الرئيس السابق للجيش اللورد دانات، في أنه «هناك حاجة لقوات على الأرض لمساعدة الغارات الجوية في مهمتها».
انعكس «هوس» جونسون في الإرهاب، على موقفه من المهاجرين والإسلام، فبعد أيام من نشر أرقام المهاجرين إلى بريطانيا في آب العام الماضي، والتي وصلت إلى 230 ألف شخص وهو ثاني أعلى عدد للمهاجرين في عام واحد في تاريخ البلاد، تعهد جونسون بفرض قوانين مشددة بخصوص المهاجرين إلى بريطانيا تتضمن إلزامهم بتحدث الإنكليزية وامتلاك المهارات اللازمة للحصول على عمل قبل منحهم حق دخول البلاد والإقامة فيها إذا خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، على غرار النظام المعمول به في أستراليا، بحسب ما أشارت صحيفة «ديلي تليغراف» البريطانية.
وشكل موقف بوريس هذا، تحدياً شخصياً لكاميرون وأثار أزمة كبرى في أروقة حزب المحافظين، والمسلمين أيضاً، ما دفع بعض أطراف المجتمع الإسلامي في المملكة المتّحدة، إلى اعتبار فوز جونسون في منصب عمدة لندن في الأول من أيار العام 2008، قد يشكّل كارثة بالنسبة إلى لندن والمسلمين فيها. وذهب البعض أبعد من ذلك، فوصفوه بالمعادي للإسلام.
اشتهر «بو ـ جو» كما يلقب، بالإثارة والاستعراض، فهو لا يزالُ على المستوى السياسي، الرجل الذي وصف الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الإبن بـ «الأحول»، وكلينتون بـ«الممرّضة السادية في مستشفى للأمراض العصبيّة». لا يزال الرجل اليميني المتطرف الذي يخشى الآخر والغريب ويسعى إلى الحد من التواصل معهما. ولا يزال كذلك بنظر «عالم الديبلوماسيين» الرجل الغبي الّذي أوقع طفلاً يابانيّاً خلال مباراةٍ للرّغبي، والّذي علق مرّةً في الحبل أثناء نزوله الاستعراضيّ حاملاً علمَي بريطانيا في يديه في العام 2012، والّذي فشل في «بروباغاندا الرّجل المحبوب» الّتي كرّس نفسه لها طوال سني نشاطه السّياسيّ. هذا التّاريخ الحافل بالهجوم والتّصريحات الحمقاء والاستعراضات البهلوانيّة، يجعل منصب وزير الخارجيّة فضفاضاً جدّاً على بوريس جونسون.
(«السفير»)











Discussion about this post