لا تبدو سفينة حكم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب آمنة حتى بالنسبة لرجاله المقربين، فلا استقرار في منصب ولا مقاييس واضحة لاختيار مسؤولي إدارته، فالمقربون منه لا يسلمون من مزاجيته وسخريته، ولم يسخر أي رئيس أمريكي من مسؤوليه أكثر من ترامب، ولم تناقض الاستخبارات الأمريكية أي رئيس, كما ناقضت ترامب الذي يسعى لمعلومات استخباراتية في خدمة أجندته السياسية.
وأحدث هروب من سفينة ترامب سجل لدان كوتس رئيس الاستخبارات الأمريكية الذي أعلن استقالته قبل أيام، فمنذ تسلّمه منصبه في آذار 2017، كان تقييم كوتس الاستخباراتي لا يلتقي مع أبرز قضايا السياسة الخارجية التي يُقاربها ترامب، ومنذ توليه السلطة دخل ترامب في معركة مفتوحة مع الاستخبارات من منطلق تحقيق «أف بي آي» في احتمال التواطؤ في حملته الانتخابية للرئاسة، وهذه القضية رسمت إلى حدّ كبير ملامح نظرته للمجتمع الاستخباراتي.
وأقال ترامب مدير «إف بي آي» جيمس كومي في أيار 2017، لكن خليفته كريستوفر راي لم يخضع لسطوة البيت الأبيض وبعد انتقال مايك بومبيو من إدارة «سي آي إيه» إلى وزارة الخارجية في نيسان 2018، أتت خليفته جينا هاسبل التي حافظت أيضاً على استقلالية الوكالة وناقضت ترامب في قضايا السياسة الخارجية، مثل ملف مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، وبالتالي خيار ترامب تعيين النائب الجمهوري عن ولاية تكساس جون راتكليف خلفاً لكوتس، يأتي في سياق اختياره للأوفياء له في المناصب الحساسة.
وأثار اختيار ترامب للنائب الجمهوري جون راتكليف لخلافة كوتس مديراً للاستخبارات، قلقاً من تسييس القرارات الأساسية المتعلقة بالأمن القومي الأمريكي، لأنه يفتقر إلى الخبرة السياسية لتسلم رئاسة الاستخبارات الأمريكية، لكن ترامب دافع عن اختياره لمدير المخابرات المقبل كشخص يمكنه كبح جماح وكالات المخابرات التي خرجت عن السيطرة، وهو ما أجج المخاوف من أن ترامب لا يريد سوى تقييمات تدعم وجهات نظره، وقوبل اختيار ترامب للنائب الجمهوري راتكليف من تكساس ليكون المدير المقبل للمخابرات الوطنية، بفتور من زملائه الجمهوريين، واتهامات من مسؤولين سابقين بالمخابرات والديمقراطيين بأن راتكليف غير مؤهل، وسوف يصوغ معلومات المخابرات بشكل يناسب الرئيس.
لكن تخبط قرارات وسياسات الرئيس الأمريكي أدت لهروب راتكليف قبل أن يستلم منصبه الجديد، وعاد ترامب ليعلن انسحاب النائب راتكليف، مرشحه لمنصب المدير المقبل لأجهزة الاستخبارات، وألقى ترامب باللوم على وسائل الإعلام في انسحاب راتكليف، مع العلم أن ترشيحه لقي انتقادات شديدة، ما وضع علامة استفهام حول ما إذا كان سيحصل أصلاً على تأكيد من مجلس الشيوخ.
بات ترامب مؤخراً أكثر عزلة من أي وقت مضى، إذ انصرف عنه أنصاره أو صرفهم بسبب اختلاف آرائهم أو خلافات تسببت فيها قراراتهم، فيما تروج أخبار عن استعداد آخرين للانعتاق من التوتر الداخلي للبيت الأبيض والهرب من مزاجية ترامب.
تشرين











