سرى ما أثارته الحكومة مؤخراً حول عزمها تنظيف مديرية الجمارك العامة من السيئين، في الأوساط الإعلامية كالنار في الهشيم. ففي الوقت الذي عبّر بعضهم فيه عن اطمئنانه لعدم دخول مواد منتهية الصلاحية إلى البلد، تساءل آخرون عن آلية هذا التنظيف المرتقب، معتبرين أن الأمر رغم صعوبته المستفحلة، إلا أنه ممكن في حال توفر الإرادة والإدارة الحازمتين، وأن الحكومة في إثارتها لهذا الملف قد وضعت نفسها على محك إحداث فارق في المشهد الجمركي، عبر كبح جماح التهريب وتحصين الاقتصاد المنهك من هذه الآفة!. بينما أبدى بعضهم هواجسه تجاه إخفاق الحكومة، مبرراً رأيه بأن كل حكومة جديدة وخاصة مع بداية انطلاقها تسعى إلى معالجة مواطن الخلل والفساد، ولكن غالباً ما يستعصي عليها الأمر في قطاع الجمارك والقطاعات المتصلة والمشابهة، وإن بدأت بذلك فسيحتاج الأمر إلى حكومات وزمن طويل، فحالات الفساد والمصالح متشابكة ومتداخلة وتشمل الكثيرين من مختلف المستويات داخل الجمارك وخارجها ممن يقومون مقامها!.
ضياع أموال طائلة
الرأي السابق له كثير من المؤيدين، ولعلّ أهمهم وزير المالية الحالي الدكتور مأمون حمدان، فقد اعترف الرجل في أحد الاجتماعات (لأول مرة يُنشر هذا الاعتراف)، أن التهريب هو مشكلة المشكلات، ولولاه لكانت وزارة المالية بألف خير، ولتمكّنت من تمويل معظم القطاعات حيث تذهب أموال طائلة جداً بسبب التهريب.
ولأجل هذه المهمّة شبه المستحيلة برأينا، وخاصة في ظل الأوضاع الحالية حيث يبيح “البعض” المحظورات في سبيل الضرورات..!، نجد في تأكيد الوزير حول تعاونهم وتواصلهم اليومي مع مديرية الجمارك العامة، ما يدعم رأينا أيضاً، فوفقاً لما سمعناه منه، أن ذلك يحتاج إلى وسائل وقوانين وإلى تكاتف كل الجهات حتى يقدروا على التهريب.
المجرم المدان
من جهته يؤكد وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية الدكتور أديب ميالة، أن موضوع التهريب يؤثّر في كل شيء، قائلاً: عندما نتحدث عن زيادة الأسعار وعدم وجود المواصفات والفساد، يكون السبب الأساسي هو التهريب.
ميالة أيدّ زميله حمدان بقوة فيما ذهب إليه، معتبراً التهريب اليوم علّة العلل، ورغم أنه فضّل عدم الغوص أكثر في الموضوع، إلاَّ أنه كشف عن بعض ما يجري، فمثلاً يتمّ اليوم إعطاء إجازة استيراد لـ5 آلاف قطعة من سلعة ما، ونفاجأ بتهريب المستورد لـ50 ألف قطعة على أساس أنها مستوردة ومدفوعة الرسوم والضرائب، لكن هذا الادعاء يفوّت على الدولة وخزينتها أموالاً طائلة!. لذلك يرى أن التهريب أخطر من خطير حسب تعبيره، مشيراً أيضاً وعلى سبيل المثال إلى أن تهريب المازوت والبنزين يفوّت على الدولة ويخسّرها مئات الملايين من الدولارات والعملة الصعبة، داعياً إلى إيلاء هذا الموضوع كل العناية وأن يكون أساسياً. كلام ميالة مرَّ عليه عدة أشهر، ويبدو أنه الآن قد وصل وأخيراً إلى آذان الحكومة التي هو منها؟!.
جزر مطهّرة
لعلّ أبرز الأفكار المطروحة لتقليص حجم الفساد، سواء أكان على مستوى الجمارك أم على أي مستوى آخر، وخاصة إذا كانت له علاقة بالتعامل اليومي مع المال العام، هو اعتماد ما يُسمّى (الجزر المطهّرة)، أي أن يخصّص صندوق في المفاصل المالية الحسّاسة توضع فيه نسبة من الأموال المحصلة من العاملين فيها، بحيث توزّع عليهم بحصص مجزية كلّ حسب نشاطه ونزاهته ونظافة يده، فمن شأن هذا أن يحدّ من الأموال الضائعة على الخزينة من جهة، ويدعم مفهوم النزاهة والعمل الشريف من جهة أخرى. ويرى الاقتصادي الدكتور زكوان قريط أن الأساس في قمع الفساد الذي لم يعُد يقتصر على كونه ظاهرة وإنما تعداها ليصبح ثقافة تحكم سلوكيات المجتمع برمته، هو الرادع الأخلاقي والضمير الإنساني الحيّ، بدليل أن محدودية الرشوى في الدول المتقدمة سببها بالدرجة الأولى أخلاقي، وعلى اعتبار أن الأخير موجود من الناحية النظرية دون أن يفعّل عملياً، ولنجاح تطبيق فكرة الجزر المطهرة يجب أن تترافق مع إجراءات أخرى تتمثّل بضرورة إنزال أقسى العقوبات بحق المرتشين والفاسدين، إلى جانب نشر أسمائهم في وسائل الإعلام ضمن قائمة سوداء تفضح ممارساتهم اللا أخلاقية، إضافة إلى وجود خلايا يمكن تسميتها (الخلايا التنظيفية) في كل دوائر الدولة تكون سرية وعلى صلة مباشرة بهيئة مكافحة الفساد تنقل إليها تقارير خاصة بالفساد ورموزه.
إضافة إلى ذلك، هناك مشكلة بالقوانين الجمركية التي يتلاعب بها الشاحن والمخلّص الجمركي (أشار حمدان إلى إصلاحها وتطويرها..)، بدءاً من تغيير شهادات المنشأ إلى تغيير في المواصفات والبنود الجمركية عند الإدخال أو تخليص كميات البضائع الداخلة، سواء أكانت وزناً أم عدداً، بالإضافة إلى “أنها لفلان أو علتان”؟!.
هكذا يتم التهريب
وفي سياق البحث عن بؤر التهريب وأساليبه يقول خبير: إن التعرفة الجمركية ثابتة في كل الأمانات الجمركية، وفق برنامج مربوط بالإدارة العامة للجمارك، والتهريب يكون بعدم التصريح عن الكميات الصحيحة والأسعار (يؤكد ما كشف عنه ميالة)، ويلفت إلى أن المقبول في دمشق مثلاً غير مقبول في اللاذقية من ناحية السعر، والمسموح به في طرطوس غير مسموح به في دمشق، مؤكداً أن العطل بشري مادي، وهذا واقع صحيح 100%.
الأخطر..!
ولأن التهريب له علاقة كبيرة بالفساد الأمني والإداري والاقتصادي، لذلك فإن عملية إصلاح الوضع القائم عبر ما تمّ ذكره، يمكن أن تحدّ من حالات التهريب بشكل ملحوظ، ثم إنه لو كان لكل منتج رقم خاص به مرتبط بمعيار تشارك الحكومة بوضعه، لكانت عملية تقصّي المنتجات المهربة ميسّرة ومجدية. ما طُرح من حلول وغيره، يمثّل برأي خبراء نهجاً لمعالجة جذرية لزيادة الإيرادات وضبط الحدود وقطع أذرع الأخطبوط الفاسد والمفسد الذي ينمو يومياً، ويوقف استنزاف الليرة السورية ويخفّف الضغط عليها، ويدعونا لتكون تجربة الثمانينيات أنموذجاً يُحتذى، بالتوازي مع تبسيط وتوحيد التعرفة الجمركية.
تلك الحلول هي بالنسبة للتهريب العادي، لكن هناك تهريب وازن كمّاً ونوعاً وثمناً تديره مافيات وشبكات تضاهي إمكانات دول وقدراتها..، وهو برأينا الأخطر الذي يحتاج إلى قرار باتر
البعث










Discussion about this post