القرار الذي اتخذته تركيا مؤخرا، البلد العضو في حلف شمال الأطلسي، بتقليص مدة الخدمة العسكرية الإلزامية للمجندين من اثني عشر شهرا إلى ستة، خطوة صغيرة على الطريق الصحيح وهي الدولة التي لا تزال حتى الآن، ورغم مضي نحو ثلاثة عقود على انهيار الاتحاد السوفيتي، عاجزة عن إعادة بناء قواتها المسلحة لتلائم تحديات القرن الحادي والعشرين.
في الوقت نفسه، فإن تركيا اتخذت كذلك خطوة مثيرة للجدل بتحويل الإعفاء من الخدمة العسكرية مقابل دفع مبلغ من المال إعفاء دائما.
وفي هذه الحالة، فإن كل من يملك القدرة على دفع 31 ألف ليرة تركية (5200 دولار)، أي نحو ثلث متوسط الأجور في البلاد، سيكون بوسعه الحصول على إعفاء نهائي من الخدمة العسكرية بعد قضاء شهر واحد من التدريب.
وقال محلل عسكري : وحدهم الفقراء من لا يستطيعون تجنب الخدمة العسكرية وبالتالي تشكّل في المجتمع التركي شكل آخر من أشكال الانقسام.”
هناك الآن نحو 2.2 رجل تركي يحصلون على إعفاء من الخدمة العسكرية، وفقا لوزير الدفاع خلوصي آكار.
لكن غير ذلك، هناك نحو 700 ألف رجل تنطبق عليهم شروط قضاء الخدمة العسكرية، وهو رقم يخلق في النهاية فائضا كبيرا.
ولتوضيح ذلك، فإن الخدمة العسكرية الإلزامية لخريجي الجامعات، بموجب قانون جديد صادق عليه الرئيس رجب طيب أردوغان، تجعل هذه الفئة تخدم عسكريا لمدة 12 شهرا باعتبارهم من ضباط الاحتياط أو ضباط الصف غير المكلفين.
وبينما تقلصت إلى النصف مدة الخدمة بالنسبة للمجندين، فإن من يودون قضاء عام الخدمة كاملا سيكون عليهم دفع مقابل إضافي.
وبموجب القانون الجديد، يتوقع أن يصبح نصف قوام الجيش التركي البالغ عدد أفراده 420 ألف شخص من العسكريين المحترفين.
غير أن القانون لا يقدم أي تعهدات بتحويل الجيش إلى عسكريين محترفين بشكل كامل، ويواصل بدلا من ذلك الحفاظ على مكون الخدمة العسكرية من أجل التشجيع على الوحدة الوطنية.
يهدف القانون بشكل أساسي إلى زيادة الجاهزية القتالية للقوات المسلحة التركية من خلال الاستعانة بعناصر ماهرة، مع جعل الجيش أكثر مرونة وقبول لجميع الظروف بحيث يصبح ملائما لاستخدام أحدث الأسلحة والمعدات.
وخلال مناقشة القانون العسكري الجديد في البرلمان الشهر الماضي، أثار نواب من المعارضة مخاوف تتعلق بخفض مدة التجنيد الإلزامي خشية أن تتسبب في إضعاف الجيش وتقويض قدرته على الدفاع عن الأمة.
واعتبر محمد علي جلبي، وهو ضابط سابق ونائب بالبرلمان عن حزب الشعب الجمهوري المعارض، أن تقليص مدة الخدمة العسكرية سيتسبب في نقص خطير في عدد الجنود الذين يخدمون في الجيش.
وقال أردوغان ردا على تلك المخاوف “في ظل الشكل الجديد للخدمة العسكرية، لن تقع أي هفوات سواء على حدود بلادنا أو في قبرص التركية.”
وفي ظل القانون الجديد أيضا، فإن أي أجانب يتم منحهم الجنيسة التركية سيكون عليهم قضاء فترة تجنيد طالما سمح سنهم أو مستوى تعليمهم بذلك.
وتستضيف تركيا ما يقرب من أربعة ملايين لاجئ سوري، بينهم آلاف السوريين الذين حصلوا بالفعل على الجنسية وأصبحوا مؤهلين للخدمة في الجيش التركي.
وبالإضافة إلى هذا، فإن الحكومة التركية تدرس منح الجنسية لأغلبية اللاجئين السوريين.
وتساءل حزب الشعب الجمهوري والحزب الصالح عما إذا كان السوريون الذين قد يخدمون في القوات المسلحة التركية قد يمثلون تهديدا للأمن القومي.
وعلى عكس ما أبدته أحزاب معارضة أخرى من مخاوف بشأن القانون الجددي، فإن نوابا برلمانيين مؤيدين للأكراد اعتبروا أن الجيش التركي على قوته العددية قد فشل في توفير السلم والأمن في ربوع تركيا.
وأشار جارو بايلان من حزب الشعوب الديمقراطي إلى أحداث العنف ضد حزب العمال الكردستاني عامي 2015 و2016، الذي قاد اندلاع انتفاضة مسلحة في جنوب شرق تركيا منذ ثمانينات القرن العشرين وتصنفه كل من تركيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي باعتباره منظمة إرهابية.
ودعا بايلان إلى السماح بحق رفض أداء الخدمة العسكرية وأشار إلى أن إنفاق تركيا على الشؤون الأمنية على مدى السنوات الأربع الماضي قد ارتفع بمقدار أربعة أمثال ليصل إلى 160 مليار ليرة هذا العام.
وقال بايلان “رغم كل هذا، فإننا فشلنا في توفير السلم والرفاة لأنفسنا في الداخل ولا السلم لجيراننا.”
وأضاف “علينا أن نناقش بعمق كيفية توفير الأمن بدلا من الانخراط في مناقشات تفتقر لبعد النظر تتعلق بقانون الجيش.”
مصدر قلق آخر في أوساط نواب البرلمان يتعلق بإنفاق الأموال التي يدفعها طالبو الحصول على إعفاء من الخدمة العسكرية، وهي أموال كثيرة.
ويقدر مسؤولون في حزب العدالة والتنمية الحاكم أن القانون الجديد سيدر نحو خمسة مليارات ليرة سيدفعها من يطلبون الحصول على إعفاء من الخدمة العسكرية، وأن ذلك المبلغ سيخصص لدفع رواتب الجنود وتكاليف عسكرية أخرى.
غير أن عاكف حمزة جيبي النائب البرلماني عن حزب الشعب الجمهوري أشار إلى تقرير هيئة المحاسبة المالية الصادر عام 2014 والذي أوضح كيف أنفقت الأموال المحصلة من طالبي الحصول على إعفاء من الخدمة العسكرية على شراء سيارات فارهة للمؤسسات العامة.
ولطالما وجهت انتقادات لفترة الخدمة العسكرية الإلزامية ومدتها اثنا عشر شهرا، حيث اعتبرها كثيرون دليلا على انفصال تركيا عن الواقع الحربي في القرن الحادي والعشرين الذي يعتمد بشكل متزايد على الخبرات الميدانية.
ورغم فشل الحكومة التركية بقيادة حزب العدالة والتنمية في إدخال رؤية مدنية للقوات المسلحة، فإن خفض مدة خدمة المدندين إلى النصف دافعها بالأساس الحاجة لإنشاء قوات مسلحة مدربة وأكثر احترافية.
وفي النهاية، فإن خفض مدة خدمة الجنود يمثل خطوة جيدة على الطريق نحو الارتقاء لمعايير حلف شمال الأطلسي للجاهزية القتالية.
مواقع تركية












