انتهازية الرئيس التركي، رجب إردوغان، جعلته يحاول الاستفادة من ربيع العرب المضطرب 2011، في تحقيق أطماعه التوسعية، ضمن أوهام إحياء الإمبراطورية العثمانية المقبورة. رجب، رئيس وزراء تركيا آنذاك، قام تزامنًا مع اندلاع “الربيع العربي”، بزيارة كل من مصر وتونس وليبيا، بهدف تقديم الدعم، حينها كان الرجل مؤيدًا متحمسًا لهذا الربيع، وروج لقدرته على زيادة اهتمام الشعوب العربية بالديمقراطية .
آنذاك، كان إردوغان غارقًا حتى أذنيه في نشوة وصول عملائه في الإخوان إلى سدة الحكم في غالبية الدول التي كانت ساحات للربيع المضطرب، مصر وتونس، وهو ما وفر دعمًا إضافيًا لأحلامه الرامية لإعادة إحياء الإمبراطورية العثمانية البائدة.
ولكن، أقل من ثلاث سنوات، كانت كفيلة بإلقاء الضوء على وجه مغاير لإردوغان، فعندما بدأت تركيا في تنسم ربيعها الخاص مايو 2013، تزامنًا مع اندلاع تظاهرات معارضة لحكومته (العدالة والتنمية)، تحول الرجل الذي صنف بأنه الداعم الأول لربيع العرب المضطرب، إلى محبًا للشتاء فجأة، وشن أكبر حملة قمع عرفها تاريخ تركيا الحديث ضد أكثر من 2.5 مليون مواطن خرجوا للمطالبة بالحرية وإقصاء الديكتاتور.
المفارقة، أن الاتهامات التي ساقت عشرات الأتراك إلى السجون على خلفية احتجاجات جيزي، حولت التظاهرات المُناهضة لحكم ديكتاتور أنقرة، إلى “مؤامرة غربية يقودها الملياردير الأمريكي من أصل مجري جورج سوروس”، الذي اتُهم أيضًا بالوقوف وراء ربيع العرب المضطرب!.
من الربيع إلى الشتاء
مصحوبًا بآمال براقة بوصول عملائه بجماعة الإخوان للحكم في البلاد التي كانت ساحات للربيع العربي، أعلن إردوغان عن زيارة مرتقبة لكل من مصر وتونس وليبيا، بحسب موقع هيئة الإذاعة التركية “تي آر تي”، الذي أشار أن زيارة رجب للقاهرة هي الأولى منذ الإطاحة بالرئيس الأسبق حسني مبارك وأنها تهدف لتقديم الدعم للتغيير.
وحينها، قالت الإذاعة التركية، إن إردوغان التقى خلال زيارته للقاهرة التي جرت سبتمبر 2011، بكل من رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة وزير الدفاع الأسبق المشير محمد حسين طنطاوي، ورئيس الوزراء الأسبق، عصام شرف.
وخلال الزيارة، جرى التوقيع على العديد من الاتفاقيات بين تركيا ومصر، أهمها التوقيع على بيان سياسي مشترك من أجل تأسيس مجلس تعاون استراتيجي رفيع المستوى بين البلدين وعلى عدد من الاتفاقيات من الاقتصاد إلى الرياضة.
وفي ديسمبر 2011، نشر إردوغان تغريدة على حسابة الرسمي بتويتر، قال فيها :”إن الربيع العربي ساهم في توعية الشعوب العربية وزيادة اهتمامهم بالديمقراطية، مما سوف يساعد على نمو الدول العربية بصورة كبيرة إن شاء الله”.

آنذاك، كان إردوغان غارقًا حتى أذنيه في وهم إحياء إمبراطورية أجداده، من خلال الترويج لشعارات “الوحدة الإسلامية” و”الخلافة”، خاصة في أوساط العرب، لذا لم يكن غريبًا أن يستميت في دعم الجماعات التي تتخذ من الدين ستارًا لتمرير مشاريعها المتطرفة وعلى رأسها جماعة الإخوان.
التنظيم الدولي للإخوان، وفر لإردوغان وسيلة سهلة لتوسيع نفوذ تركيا الإقليمي تحت غطاء الشعارات الدينية الجوفاء، في محاولة لاستعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية المقبورة، وتطبيق سياسته الخارجية التي يسعى من خلالها لإعادة تشكيل خريطة الشرق الأوسط.
فضيحة تهريب المخابرات التركية الأسلحة والذخيرة إلى مقاتلي تنظيم “داعش”، في يناير 2014، تكشف إلى أي مدى كان إردوغان مستعدًا لتحقيق أهدافه التوسعية على حساب ضحايا العرب الأبرياء. لكن مع انكشاف مؤامرة الإخوان في مصر وسقوطها بثورة شعبية في 30 يونيو 2013 بعد شهر واحد من اندلاع احتجاجات جيزي في تركيا، تحول الربيع في نظر إردوغان إلى شتاء قارص البرودة.
مؤامرة كونية
“هناك شخص موّل الإرهابيين في أحداث جيزي (رجل الأعمال وناشط المجتمع المدني، عثمان كافالا)، بات الآن خلف القضبان، أتعرفون من يقف وراءه؟ إنه المجري اليهودي الشهير سوروس”، بهذه الجملة حول إردوغان احتجاجات جيزي السلمية، إلى مؤامرة كونية كاملة الأركان على حكمه.
في شخص جورج سوروس، وجد إردوغان كل المواصفات المطلوبة لتدعيم نظريته، التي لطالما روجها بوجود مؤامرة عالمية تهدف تقسيم تركيا التي شكلت ذات يوم النواة الصلبة للإمبراطورية العثمانية المقبورة، عدوة الغرب القديمة، فهو أولًا غربي له نشاطات حقوقية متنوعة في عدة دول، ثم إنه يهودي وهو ما يسهل إقناع أنصاره المتشددين الذين يرون في اليهود أعداء للإسلام، بتأمر الرجل على بلادهم ودينهم.
لكن المفارقة، أن سوروس نفسه كان صديقًا مقربًا لإردوغان، وبين الرجلين حبائل من الود استمرت لسنوات. فمنذ صعود إردوغان وحزبه العدالة والتنمية إلى سدة الحكم عام 2002، كان الملياردير الأمريكي من أوائل كبار الشخصيات الغربية التي دعمت الحكام الإسلاميين الجدد، في وقت كان الأتراك أنفسهم متشككين في ولائهم للأسس العلمانية التي تأسست عليها البلاد منذ 1923.
خلال زيارة قام بها لتركيا عام 2005، أعلن سوروس صراحة دعمه لإردوغان، قائلًا :”أرى أن حزب العدالة والتنمية يؤمن بالديموقراطية، وأنا أؤمن أنه يستحق الدعم”، والتقى نائب رئيس الحزب جونيد يوكسال في واشنطن عام 2007.

المجتمع المفتوح
وإزاء موقفه الداعم، كافأ إردوغان حليفه الجديد سوروس، بقبول افتتاح فرع لمؤسسته الخيرية “المجتمع المفتوح” في إسطنبول، بعد تعديل برلماني للوائح الضريبية التي كانت تشكل عائقاً أمام تمثيل مثل هذه المؤسسات في تركيا، ليبدأ بعدها الملياردير الأمريكي في ضخ الاستثمارات داخل الاقتصاد التركي.
منذ افتتاح فرع مؤسسة “المجتمع المفتوح” التابعة لسوروس في تركيا وتربطها علاقات قوية بنظام العدالة والتنمية، وصلت إلى درجة التحالف المعلن، إذ سخر إردوغان رجاله للعمل في المؤسسة، مثل النائب عن الحزب الحاكم سليم أوصلو، الذي عين في المجلس الاستشاري للمؤسسة، ثلاث دورات تشريعية بين عامي 2002 و2004.
وفي المقابل، وجهت المؤسسة أنصارها الليبراليين في تركيا لدعم “العدالة والتنمية”، مثل آسر كاراكاش ومراد بلجي وجان بكر وناشا دوزال، إذ نادوا جميعهم بتوسيع سلطات الحزب الحاكم، وأيدوا الاستفتاء الدستوري عام 2010 لتعديل أوضاع المحاكم العليا.
احتجاجات متنزه جيزي، أصابت حلف إردوغان وسورس في مقتل، واتهم الحزب الحاكم المنظمات المرتبطة بالملياردير الأمريكي ومؤسسته الخيرية بالتحريض على المظاهرات، ولاحقتهم الشرطة والقضاء.
وفي نوفمبر 2017، تم اعتقال رجل الأعمال عثمان كافالا، أبرز شخصيات المجتمع المدني في تركيا، بتهمة السعي للإطاحة بحكومة رجب إردوغان، وتمويل احتجاجات جيزي، فيما كانت التهمة الحقيقية “الانتماء إلى مؤسسة سورس”.
في منتصف نوفمبر الماضي، اعتقلت السلطات التركية 13 من أساتذة الجامعات والمفكرين والنشطاء، من بينهم هاكان إلتيني المنتمي إلى مؤسسة “المجتمع المفتوح”، ووجهت إليهم تهم واهية، مثل “المشاركة في التظاهرات في محاولة للإطاحة بالحكومة”.
اتهامات سوروس ومؤسسته والمنتمين لها، تزامنت مع حملة ممنهجة، نظمها حزب العدالة والتنمية لتشويه الرجل، حيث اتهم المتحدث الرسمي باسم الحزب الحاكم ونائب رئيسه حسين تشليك، في نوفمبر الماضي، الملياردير الأمريكي بتدبير وتمويل مظاهرات جيزي.
حملة إردوغان وحزبه ضد سوروس، أدت إلى غلق فرع مؤسسة “المجتمع المفتوح” في إسطنبول، لترد المؤسسة في بيان رسمي قائلة :”بتنا هدفاً للادعاءات التي لا أساس لها من الصحة في الإعلام التركي، ما يعني استحالة مواصلة نشاطنا”، مشيرة إلى استدعائها لتحقيق جديد في اتهامها بدعم التظاهرات.

تهم واهية
ومن بين المتهمين في القضية إلى جانب رجل الأعمال البارز عثمان كافالا، الممثل محمد علي ألابورا، والصحافي المعارض جان دوندار، والناشط يغيت أكساك أوغلو، بالإضافة إلى 12 آخرين من رموز المجتمع المدني.
لائحة الاتهام المؤلفة من 657 صفحة، تشير أن المتهمين حاولوا الإطاحة بالحكومة، وتدعو إلى إصدار أحكام بالمؤبد من دون منح المتهمين حق إطلاق السراح المشروط، يرى الكثيرون أن هناك دوافع سياسية وراء المحاكمة.
في مارس الماضي، وصف نيت شينكان، المدير في فريدوم هاوس، هذه القضية بأنها “مثيرة للدهشة”، فيما قال مصطفى ينير أوغلو، النائب في حزب العدالة والتنمية الحاكم، في تغريدة على تويتر، يونيو الماضي، :”إنه لم يجد أية أدلة مادية في لائحة الاتهام هذه”. في حين، قال أندرو غاردنر، مدير الأبحاث والاستراتيجيات المعني بتركيا في منظمة العفو الدولية، :”إن المحاكمة تفتقر إلى أية أدلة على وجود نشاط إجرامي، ينبغي إسقاط الاتهامات”، بينما سلّطت “هيومن رايتس” الضوء على عدم فتح تحقيق من قبل السلطات مع معظم رجال الشرطة المتهمين بارتكاب مخالفات خلال الاحتجاجات، التي أودت بحياة 6 أشخاص على الأقل.
كوميديا إردوغان
لائحة الاتهام، تسعى أيضًا إلى طرح الاحتجاجات على أنها مؤامرة خارجية ترتبط بالربيع العربي، الذي من المفارقات أن حكومة إردوغان دعمته، إذ تشير اللائحة إلى أن جورج سوروس، يقف وراء احتجاجات جيزي مثلما دبّر اضطرابات مدنية في صربيا وجورجيا وبعض دول البلقان، قبل أن يُدير احتجاجات الربيع العربي، التي بدأت أواخر 2010، ثم تحول بعد ذلك إلى تركيا، بحسب صحيفة “حرييت”.
في الصفحة الخامسة والعشرين، أوضحت لائحة الاتهام تفصيليًا، الدور المزعوم الذي لعبه سوروس في إشعال احتجاجات جيزي ومن قبلها ما عرف بثورات الربيع العربي التي انطلقت تحديدًا من تونس أواخر عام 2010.
اللائحة، زعمت أن سوروس هو الممول الأكبر لاحتجاجات متنزه جيزي، وأحداث الربيع العربي، مشيرة إلى استخدامه مؤسسة “المجتمع المفتوح”، التي تنتشر فروعها في عدة دول منها تركيا من أجل تنفيذ مخططه. لائحة الاتهام، ادعت أن الثورة البرتقالية في جورجيا ودول البلطيق اندلعت بفضل فروع مؤسسة الملياردير الأمريكي، التي شجعت كذلك على إشعال أحداث الربيع العربي وأحداث متنزه جيزي، لافتًة إلى أن سوروس قدم دعمًا ماديا للأحداث من خلال مواقع التواصل الاجتماعي وعبر مواقع الإنترنت من خلال حملات كبيرة بدأت في صربيا ووصلت إلى دول الربيع العربي أولًا ومنها إلى تركيا.











