على مدى أكثر من عقد من الزمن سبق اندلاع الأزمة في سورية، واظب معهد غوته في دمشق على اتباع نهج يتعارض بشكل كامل مع الاتفاقيات الدولية الناظمة لعمل المؤسسات الثقافية الوطنية في الخارج..jpg)
تأسس فرع المعهد بدمشق عام 1955، ويعتبر من بين أول فروع “غوته” التي أنشئت في مختلف أرجاء العالم، والتي تتمثل مهمتها الرسمية في دعم انتشار تعليم اللغة الألمانية، وتعريف العالم بالثقافة الألمانية. لكن مع بداية العقد التاسع من القرن المنصرم، وتبنّي الحكومة الألمانية سياسة “احتواء سورية” من خلال طرح برامج محددة للتطوير الإداري ومشاريع تحديث للبنى التحتية في سورية، انحرف المعهد عن مهمته الرسمية، وبدأ العمل على التدخل في الشؤون الداخلية السورية من خلال تبنّي وتسويق “ناشطين” و”ناشطات” في المجال الفني والأدبي، وتنظيم ندوات ومعارض بطريقة انتقائية أبرزت أشخاصاً معيّنين بوصفهم ممثلين لنخبة ثقافية تعمل على الترويج لأنموذج الديمقراطية على الطريقة الغربية.
وبعد قرار الحكومة الألمانية إغلاق المعهد في دمشق، عام 2012، في إطار النهج العدواني الذي استهدف سورية أرضاً وشعباً، لم تتوقف نشاطات أولئك الناشطين الذين انتقلوا للعيش في ألمانيا، في إطار تحضيرهم للعب دور سياسي وثقافي في المستقبل. وضمن هذا السياق، تمّ تأسيس معهد “غوته دمشق” في المنفى، وهو أمر يعتبر سابقة في تاريخ نشاطات مراكز تعليم اللغة الألمانية.
وقد أطلق المعهد في الـ 20 من تشرين الأول الفائت فعالية ثقافية لمعهد “غوته دمشق في المنفى!”، تستمر حتى الخامس من شهر تشرين الثاني الجاري، وتتضمّن احتفالاً رسمياً يروّج لفكرة تقاطع الثقافات، ويشارك فيه كل من يوهانس إيبرت أمين عام معهد غوته، وديانا الجيرودي التي تعمل في مجال السينما الوثائقية، وهيلينا وادمان من العاملات في مجال المسرح في برلين.
ويتضمن النشاط معرضاً لثلاثة فنانين: رولا علي وعامر العاقل وألينا عامر، كما يتضمن حفلاً موسيقياً يشارك فيه الملحن السوري نبيل أربعين، بالإضافة إلى ندوة حوارية حول العمارة، وحول حياة المهاجرين في ألمانيا، وسيتم مقاربة موضوع إعادة الإعمار بمشاركة مأمون فنصة لمناقشة المخططات الألمانية لإعادة إعمار مدينة حلب.
كما ستشهد أيام هذه الفعالية العديد من النشاطات التي تتناول مختلف أوجه الحياة في سورية.
قد يقول البعض: إن هذا نشاط ثقافي يمنح بعض المهاجرين السوريين فرصة لتقديم إنتاجهم إلى الجمهور الألماني، لكن في دولة ذات طموحات توسعية، مثل ألمانيا، لا يمكن الفصل بين التوجهات السياسية العامة، والنشاطات الثقافية الموجهة إلى جمهور بلد يرى فيه البعض فرصة لقيام ألمانيا بتعزيز دورها على مستوى العالم.
ونقرأ في الموقع الرسمي لوزارة الخارجية الألمانية مقالاً، نشر في الـ 18 من الشهر الماضي، تناول نزوع مجموعة كبيرة من كبار القادة السياسيين والعسكرين الألمان نحو خيار التصعيد في الميدان السوري، والسعي لفرض منطقة حظر جوي وتزويد المجموعات الإرهابية (المعارضة المسلحة!) بصواريخ مضادة للطائرات.
ويرى المحللون الألمان أن الوضع في سورية يحمل في طياته مخاطر مواجهة مفتوحة بين روسيا والولايات المتحدة، وهو أمر ينسجم مع توجهات العديد من الشخصيات السياسية الألمانية. ففي السابع من الشهر الحالي طالب نوربرت روتغين، عضو حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، البرلمان الألماني بفرض المزيد على العقوبات على روسيا، كما طالب إلمار بروك ممثل الحزب في البرلمان الأوروبي بحظر بيع موسكو وسائل تكنولوجية متطورة كما كان عليه الحال زمن الحرب الباردة.
ولم يشذ نواب حزب الخضر عن هذا التوجه التصعيدي، وفق ما جاء على لسان زعيمة كتلة الخضر في البرلمان، كاترين غورينغ إدكارد، حيث طالبت بتشديد العقوبات ضد روسيا بسبب ممارساتها في سورية. ونلاحظ بوضوح إصرار الحكومة الألمانية على الاستمرار في نهج مغامر يتضمن احتمالات مرعبة بالنسبة للشعب السوري بما يتعارض كلياً مع ادعاء الحرص على حماية السوريين ومنحهم فرصة تقرير مصيرهم دون تدخل خارجي.











Discussion about this post