لم يكن الهجوم التركي على شمال شرقي سوريا ليحظى أبداً بشعبية واسعة، إذ كان هدفه هو معالجة مشكلة تواجهها تركيا دون غيرها، ولا يبدو أن أحداً غيرها مهتم بها.
ومع ذلك، فإن ردود الفعل الدولية على عملية نبع السلام – كما تصفها أنقرة – فاجأت المسؤولين الأتراك؛ فلقد كانوا يتوقعون الرفض، لكن الإدانات القوية التي واجهتها تركيا كانت شيئاً جديداً.
وطالب سياسيون أجانب بفرض عقوبات على تركيا، واستخدم مسؤولون في الخارج مراكزهم على نحو يصب في مصلحة عدو تركيا. أيضاً، بدا أن وسائل الإعلام الأجنبية كانت شبه مجتمعة في إدانتها للغزو التركي.
وقال عمر أوزكيسيلجيك – الذي يعمل في مؤسسة البحوث السياسية والاقتصادية والاجتماعية (سيتا) المقربة من الحكومة التركية، “أعتقد أنه كان ينبغي أن تتعاطى عملية نبع السلام مع وسائل الإعلام الدولية على الكثير من الجبهات. لقد أسس حزب العمال الكردستاني، والجهات التابعة له، والمتعاطفون معه في الغرب، شبكة كبيرة ومؤثرة لتحريك الرأي العام… الكثير من وسائل الإعلام التي تتبع الخط الرئيس فقدت كل أساسيات الصحافة. كنت أتمنى أن نرى قدراً من هذا عندما ارتكب نظام الأسد مجازر حقيقية في سوريا”.
وبالنسبة لتركيا، كان كل ذلك غير متوقع. لقد ألحقت عملية نبع السلام ضرراً بالغاً بسمعة تركيا على الساحة الدولية، إلى درجة من المرجح أن تمحو أثر المهارة الكبيرة التي تعاطت بها أنقرة مع أزمة أخرى، وهي أزمة مقتل الصحفي السعودي المعارض جمال خاشقجي في سفارة المملكة العربية السعودية في إسطنبول العام الماضي.
وقال أوزكيسيلجيك “الاختلاف الرئيس في موضوع خاشقجي هو الطريقة التي تفاعلت بها وسائل الإعلام مع المعلومات القادمة من تركيا. فبينما كنا نثق في المصادر التركية آنذاك، بات السواد الأعظم ينظرون إلى كل شيء يأتي من تركيا خلال هذه العملية على أنه غير صحيح”.
ويُنظر في الغرب – بشكل عام – وفي حالة وحدات حماية الشعب الكردية في سوريا على وجه خاص – على أنهم مستضعفون يملكون الشجاعة، محاط بهم من كل الجهات، وضحايا لأعمال وحشية – بل وربما، في العقلية الأوروبية والأميركية، “معظمهم مثلنا”.
كل هذا زادت حدته منذ حرب العراق والحملة التي انطلقت في عام 2014 ضد تنظيم الدولة الإسلامية، والتي استخدم التحالف الدولي أكراد شمالي العراق وشمال شرقي سوريا خلالها كقوات برية ضد تنظيم الدولة الإسلامية.
ولأن الكثير من المقاتلين الأجانب الذين انضموا إلى تنظيم الدولة الإسلامية سافروا عبر تركيا، ولأن الأخيرة لم تطلق نيرانها على تنظيم الدولة الإسلامية عندما كانت تقاتل وحدات حماية الشعب في شمالي سوريا، فإن أنقرة لم تسلَم أبداً من التلميحات بأنها تدعم تنظيم الدولة الإسلامية، بل وربما بأنها هي من أسس ذلك التنظيم، وأنها غير جادة في رغبتها في هزيمته.
فلقد كانت لهزيمة وحدات حماية الشعب دائماً أولوية لدى تركيا، تفوق غيرها، إذ تنظر إلى وحدات حماية الشعب هذه على أنها جزء من تنظيم الدولة الإسلامية، على الرغم من الرأي العالمي. تفعل أنقرة هذا على الرغم من الإدانات القوية التي تلاحق تركيا في أوروبا والولايات المتحدة. هذه الانتقادات باتت اليوم أكثر حدة.
ومعظم تلك الانتقادات تأتي من الصحافة الأميركية والأوروبية.
وقال كايل أورتون، وهو محلل متخصص في شؤون الشرق الأوسط، إن “في الأسبوعين الأخيرين، نشر صحفيون يعملون لصالح مؤسسات محترمة – دون تفحص – كل ادعاء من حزب العمال الكردستاني، أولاً ضد تركيا وعملية نبع السلام، ثم حول دور قوات سوريا الديمقراطية في قتل الخليفة،” وذلك في إشارة إلى القوات التي كانت تدعمها الولايات المتحدة، والتي تتألف من وحدات حماية الشعب وجماعات أخرى متحالفة معها.
أضاف أن “قدرة حزب العمال الكردستاني على وضع أجندته في وسائل الإعلام الغربية متميزة حقاً، وتمثل حالة تسترعي الدراسة والانتباه من جانب أي قوة إرهابية أو متمردة لديها طموح”.
وحظي الجنود الأميركيون، الذين عبّروا عن أسفهم لانسحابهم من سوريا، بتغطية واسعة في وسائل الإعلام الأميركية. ومرر مجلس النواب الأميركي مشروع قرار بفرض عقوبات على تركيا.
وقال أوزكيسيلجيك إن “تركيا كانت تتوقع رد فعل قاس، لكن ليس بهذا الحجم. لم تكن تركيا تتوقع أبداً أن من التزموا الصمت عندما قُتل نحو مليون شخص في سوريا، سيجن جنونهم”.
كل ذلك لم يكن كافياً ليبدل أهداف تركيا في سوريا.
والحفاظ على رأي سلبي بشأن تركيا والرئيس رجب طيب أردوغان في أوروبا أسهل كثيراً من الحفاظ على صورة إيجابية لهما – فالشعور الأوروبي بأن تركيا دعمت تنظيم الدولة الإسلامية ما زال يحظى بشعبية كبيرة. وقد عززت أفعال تركيا في سوريا خلال السنة الأخيرة – وخاصة في الشهر الأخير – المشاعر المعادية لأنقرة، وسيكون لهذا عواقب وخيمة.
وقال أوزكيسيلجيك “بالنسبة لتركيا، فإن الموقف في شمال شرقي سوريا مهم للغاية، ويمثل تهديداً للأمن القومي قد يضر بوحدة وتماسك أراضيها. ومن ثم فإن أي عقوبات لن تكون رادعة لأنقرة”.
كل هذه التصورات – بما في ذلك الصدمة والغضب اللذان عبر عنهما السياسيون والرأي العام في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة قد تكون كرة ثلج. وقد يحرم هذا الغضب الدولي تركيا من التعاطف والدعم مع استمرارها في الخوض في المستنقع السوري، وفي ظل سعيها الدؤوب من أجل تكوين علاقات عمل جديدة مع الحكومتين الروسية والسورية بهدف ترتيب الوضع هناك بعد أن تُكمل حملتها ضد وحدات حماية الشعب.
عن موقع احوال تركيا












